المجلس الاقتصادي يفضح ثغرات المنظومة الصحية ويدعو لرقمنة إجبارية وتحصيل إلزامي فهل تستجيب الحكومة؟

هبة زووم – محمد خطاري
في وقت تُعاني فيه منظومة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض من اختلالات بنيوية تهدد استدامتها وعدالتها، أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رأياً يحمل في طياته خارطة إصلاح قد تُنقذ المنظومة من الانهيار، أو تُصبح مجرد وثيقة أرشيفية أخرى تضاف إلى رفوف التوصيات المؤجلة.
فبينما يدعو المجلس إلى دراسة اكتوارية شاملة تمتد لـ20 سنة، ومراجعة اشتراكات القطاع العام، وإلغاء الحقوق المغلقة، يظل السؤال المعلق: هل تملك الحكومة الشجاعة السياسية لتحويل هذه التوصيات الذهبية إلى قوانين نافذة، أم أن لوبيات المصالح وثقافة التسويف ستظل تحاصر أي محاولة إصلاح جادة؟
فالمشكلة ليست في جودة التوصيات – فهي في مجملها دقيقة ومستنيرة – بل في فجوة التنفيذ التي تفصل بين ما يُقال في التقارير وما يُفعل على الأرض، سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر عبث التوصيات بينما يُترك المواطن يتفرج على حقه في الصحة وهو يتآكل أمام عينيه؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل الإصلاح الصحي من أولوية وطنية إلى ملف مؤجل تحت ذريعة التعقيد التقني؟
وفي هذا السياق، اقترح المجلس العمل بصفة استعجالية على إنجاز دراسة اكتوارية شاملة تغطي أفقاً زمنياً لا يقل عن 20 سنة، مطلب يبدو عقلانياً في ظاهره، لكنه في واقع التدبير المغربي قد يتحول إلى ذريعة جديدة للتأجيل.
ويهدف هذا الإجراء إلى توفير رؤية استشرافية دقيقة توازن بين الحاجيات المستقبلية للساكنة والموارد المالية للمنظومة، مما يسمح باتخاذ قرارات استباقية تحمي النظام من أي اختلالات مالية محتملة على المدى المتوسط والبعيد.
وللحفاظ على التوازنات المالية للمنظومة، دعا المجلس إلى مراجعة اشتراكات القطاع العام، سواء عبر حذف سقف الاشتراكات أو ملاءمة نسبها، مع تحيين التعريفة الوطنية المرجعية للعلاجات التي لم تعرف أي مراجعة منذ سنة 2006.
كما شدد على ضرورة جعل التسجيل في نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض أمراً إلزامياً للجميع، وإلغاء وضعية “الحقوق المغلقة”، من أجل ضمان الولوج غير المشروط لجميع المواطنات والمواطنين إلى العلاجات، دون عوائق إدارية أو تقنية تحول دون استفادتهم من خدمات صحية لائقة.
وأكد المجلس على ضرورة تعزيز وإعادة تأهيل قطاع التعاضد في مجال التغطية الصحية، من خلال توفير عرض تكميلي موثوق، وإرساء حكامة دامجة تضمن تمثيلية منظمة وموسعة للمؤمنين والفاعلين المعنيين.
وفي ما يتعلق بالفئة الطلابية، أوصى المجلس باعتماد تغطية صحية للطلبة لا ترتبط بانخراطهم كذوي الحقوق، وذلك لضمان حمايتهم من أي انقطاع في الاستفادة من التغطية أو من انعكاسات وضعية “الحقوق المغلقة”.
كما يتعين اعتماد آلية تلقائية للتغطية الصحية لفائدة الطلبة اليتامى أو الذين لا يستفيد آباؤهم وأمهاتهم من أي تأمين، ضماناً لمبدأ تكافؤ الفرص والحماية الاجتماعية.
ولضبط النفقات الصحية والحد من الهدر، أوصى المجلس باتخاذ تدابير إلزامية لتقنين النفقات الطبية والتحكم فيها، من خلال تطوير وتنفيذ البروتوكولات العلاجية الملزمة لهيئات تدبير التأمين الإجباري الأساسي عن المرض ومهنيي الصحة.
كما دعا إلى تعميم الوصفة الطبية الإلكترونية، والإعمال الكامل لصلاحيات واختصاصات الهيئة العليا للصحة، كأدوات فعالة لترشيد الاستهلاك الصحي وضمان جودة الخدمات المقدمة للمؤمنين.
وشدد المجلس على أهمية وضع حسابات وطنية للحماية الاجتماعية، وتطوير نظام معلومات رقمي وطني لجمع المعطيات حول النفقات الصحية وتتبع نفقات العلاجات وتحليلها واستباق الحاجيات، مع احترام الطابع الشخصي والسري للمعلومات الطبية.
كما أوصى بإرساء آلية لجمع وتحصيل الاشتراكات، بما في ذلك اللجوء إلى مساطر التحصيل الإلزامي، على أن تكون منفصلة عن الهيئة الموحدة المكلفة بالتدبير، ضماناً للشفافية والنجاعة في تدبير الموارد المالية للمنظومة.
وتُمثل توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول مشروع القانون 54.23 مساهمة نوعية في النقاش الوطني حول إصلاح منظومة التغطية الصحية الأساسية، حيث تجمع بين الرؤية الاستشرافية والواقعية التدبيرية.
ويبقى الرهان الآن على قدرة الحكومة والمؤسسات التشريعية على ترجمة هذه التوصيات إلى إجراءات تشريعية وتنفيذية ملموسة، مع إرادة سياسية حقيقية وإشراك فعلي للفاعلين المعنيين، لضمان استدامة المنظومة وثقة المواطنين في قدرتها على ضمان حقهم الدستوري في الصحة والعلاج.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد