هبة زووم – الدار البيضاء
لم تعد مظاهر احتلال الملك العمومي بمقاطعة سيدي مومن مجرد حالات معزولة أو تجاوزات ظرفية يمكن التعامل معها باعتبارها اختلالات عابرة، بل تحولت مع مرور الوقت إلى مشهد يومي مألوف يكشف عن أزمة حقيقية في تدبير المجال الحضري وضعف واضح في فرض احترام القانون وحماية الفضاءات المشتركة.
ففي عدد من الأحياء والنقط السوداء بالمقاطعة، لم تعد الفراغات العمرانية والفضاءات العمومية تؤدي وظائفها الأصلية باعتبارها متنفساً للساكنة ومجالاً منظماً يخضع لضوابط التهيئة والتخطيط، بل أضحت عرضة لمختلف أشكال الاستغلال العشوائي، من احتلالات غير قانونية وتكديس للخردة والمواد المستعملة، في صورة تسيء للمشهد الحضري وتكرس الإحساس بالفوضى وغياب المراقبة.
الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات لم تعد تطرح فقط إشكال احتلال بقع أرضية أو استغلال أجزاء من الملك العمومي خارج القانون، بل أصبحت تعكس تحولاً مقلقاً في العلاقة بين المواطن والمجال العام.
فعندما يغيب التدخل الحازم للجهات المكلفة بالمراقبة والزجر، ويتراجع الحضور المؤسساتي إلى مستويات غير مؤثرة، يتحول المجال العمومي إلى فضاء مفتوح أمام منطق فرض الأمر الواقع، حيث يصبح من يحتل المكان مالكاً فعلياً له، ولو بشكل غير قانوني، بينما تتراجع سلطة القانون إلى الصفوف الخلفية.
إن ما يجري بسيدي مومن اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد مخالفات بسيطة، بل يعكس خللاً أعمق في منظومة الحكامة الحضرية. فاحتلال الملك العمومي ليس سوى عرض من أعراض أزمة تدبيرية تجعل الفضاء المشترك عرضة للاستنزاف والتفويت غير المعلن لفائدة فئات محدودة، على حساب حق الساكنة في مدينة منظمة تحترم فيها قواعد العيش المشترك.
كما أن استمرار هذه الوضعية دون تدخلات فعالة يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى الإجراءات المتخذة لمحاربة هذه الظاهرة، وحول قدرة المؤسسات المحلية على فرض النظام العام بشكل دائم وليس فقط عبر حملات موسمية سرعان ما ينتهي أثرها بمجرد مغادرة اللجان الميدانية.
ومن زاوية أعمق، فإن الفوضى التي تعرفها بعض فضاءات سيدي مومن ليست نقيضاً للنظام فقط، بل هي نتيجة مباشرة لغياب نظام قادر على فرض نفسه باستمرار. فالمجال العمومي بطبيعته لا يقبل الفراغ، وحين تتراجع المؤسسات عن أداء أدوارها، تظهر أشكال بديلة من التدبير العشوائي تقوم على منطق الاستحواذ وفرض الأمر الواقع.
إن إعادة الاعتبار للملك العمومي بسيدي مومن لم تعد مجرد خيار تنظيمي، بل أصبحت ضرورة حضرية وتنموية ملحة. فحماية الفضاءات المشتركة وصيانة جمالية المدينة واحترام القانون تشكل شروطاً أساسية لبناء مدينة متوازنة وعادلة، يشعر فيها المواطن بأن المجال العام ملك للجميع، وليس غنيمة مفتوحة لمن يسبق إلى احتلاله أو استغلاله خارج الضوابط القانونية.
فالمدينة لا تُقاس فقط بحجم مشاريعها وأوراشها الكبرى، بل أيضاً بقدرتها على حماية فضاءاتها المشتركة وصون حق مواطنيها في العيش داخل محيط منظم وآمن يحكمه القانون وتؤطره مؤسسات حاضرة وفاعلة.
تعليقات الزوار