استراتيجية “الجيل الأخضر” في منتصف الطريق.. هل حان وقت مراجعة الأولويات لإنقاذ الأمن الغذائي؟

هبة زووم – الرباط
تدخل استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030” منتصف مسارها في سياق استثنائي لم يكن وارداً عند إطلاقها، بعدما فرضت سنوات الجفاف المتتالية، وندرة الموارد المائية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، واقعاً جديداً وضع السياسة الفلاحية المغربية أمام اختبار غير مسبوق.
وبينما أعلنت وزارة الفلاحة الشروع في تقييم حصيلة الاستراتيجية بعد مرور ست سنوات على انطلاقها، تتزايد الدعوات إلى مراجعة عميقة لأولويات هذا الورش الوطني بما ينسجم مع التحولات المناخية والاقتصادية التي تعيشها المملكة.
وجاء إطلاق عملية التقييم في وقت لا يزال فيه القطاع الفلاحي يعاني من تداعيات سنوات الجفاف المتلاحقة، التي أثرت على الإنتاج الزراعي والقطيع الوطني وسلاسل التوريد، ودفعت الحكومة إلى اتخاذ تدابير استثنائية شملت إعفاءات جمركية وضريبية، ودعم استيراد الأبقار والأغنام والقمح والأعلاف، بهدف الحد من ارتفاع الأسعار وضمان تزويد الأسواق الوطنية.
غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها الظرفية، أعادت إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً يتعلق بمدى قدرة النموذج الفلاحي الحالي على تحقيق الأمن الغذائي وتقليص تبعية المغرب للأسواق الخارجية، خاصة في ظل الأزمات الدولية المتكررة وتقلبات المناخ.
ويجمع عدد من الخبراء والمهنيين على أن المرحلة المقبلة تقتضي إعادة توجيه السياسات الفلاحية نحو تعزيز إنتاج الحبوب والقطاني والمحاصيل الأساسية الموجهة للاستهلاك الداخلي، بدل الاستمرار في نموذج يجعل السوق الوطنية رهينة للواردات كلما تراجع الإنتاج المحلي بفعل الجفاف أو الاضطرابات الدولية.
وفي المقابل، يظل تدبير الموارد المائية أكبر التحديات التي تواجه استراتيجية “الجيل الأخضر”، فرغم التحسن النسبي الذي عرفته التساقطات المطرية خلال الموسم الحالي، فإن آثار سنوات الجفاف لا تزال تلقي بظلالها على الفرشات المائية والسدود، بينما يثير التوسع المتواصل في المساحات المسقية، حتى مع اعتماد تقنيات الري الموضعي، نقاشاً واسعاً حول نجاعة تدبير الموارد المائية في ظل استمرار ارتفاع الطلب على المياه بعدد من الأحواض الفلاحية.
ولم يتوقف الجدل عند حدود الإنتاج والمياه، بل امتد إلى الجانب الاجتماعي للاستراتيجية، بعدما وجد عدد من صغار الفلاحين والكسابة أنفسهم خارج منظومة الحماية الاجتماعية بسبب عدم قدرتهم على تسديد اشتراكات نظام التأمين الإجباري عن المرض “أمو الفلاح”، إثر سنوات متتالية من تراجع المداخيل وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة البرامج الاجتماعية المصاحبة للاستراتيجية على مواكبة الفئات الأكثر هشاشة في الأوقات الصعبة.
ويرى متابعون أن التقييم الجاري لا ينبغي أن يقتصر على رصد نسب الإنجاز أو المؤشرات التقنية، بل يجب أن يتحول إلى محطة لتقييم الأثر الحقيقي للاستراتيجية على الأمن الغذائي، واستقرار الأسعار، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وتحسين أوضاع الفلاحين، خصوصاً الصغار منهم الذين يشكلون العمود الفقري للقطاع الفلاحي.
كما يدعو هؤلاء إلى مراجعة عدد من الاختيارات الاستراتيجية التي أثبتت السنوات الأخيرة محدوديتها أمام التحولات المناخية، مع اعتماد مقاربة جديدة توازن بين الإنتاج الموجه للتصدير وتأمين حاجيات السوق الوطنية، وتربط التنمية الفلاحية بالحفاظ على الثروة المائية وتعزيز السيادة الغذائية.
ويبقى الرهان الأكبر اليوم هو أن يشكل تقييم منتصف المسار فرصة حقيقية لتصحيح الاختلالات، لا مجرد تمرين إداري أو إحصائي، لأن نجاح استراتيجية “الجيل الأخضر” لن يقاس بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المنجزة فقط، بل بمدى قدرتها على ضمان أمن غذائي مستدام، وحماية الموارد الطبيعية، وتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية لفائدة الفلاح المغربي، في مواجهة تحديات مناخية واقتصادية مرشحة للتفاقم خلال السنوات المقبلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد