قرارات غامضة للوزير البواري تُغرق الفلاحين وتُثقل كاهل الكسابة وتحول “المخطط الأخضر” إلى كابوس قروي

هبة زووم – أحمد الفيلالي
في الوقت الذي يعيش فيه المغرب أزمة مائية خانقة، ويئن فيه الفلاح الصغير تحت وطأة الديون وغلاء الأعلاف وتراجع المردودية، تتوالى القرارات الوزارية التي لا تزيد الوضع إلا تعقيدًا.
قرارات الوزير أحمد البواري، بدل أن تُنقذ القطاع، أضحت مثار جدل واسع بين المهنيين الذين يرون فيها استمرارًا لنهج الإقصاء وغياب الرؤية الاجتماعية داخل السياسات الفلاحية.
منذ إطلاق “المخطط الأخضر” بشعارات براقة وميزانيات فلكية، وُعد المغاربة بفلاحة عصرية، قادرة على تحقيق الأمن الغذائي وإنصاف الفلاح الصغير. غير أن الواقع اليوم يروي قصة مختلفة تمامًا: مشاريع متعثرة، صفقات غامضة، أموال هائلة بددت دون أثر ملموس، واحتقان اجتماعي في الأوساط القروية.
فبحسب معطيات رسمية، تجاوزت كلفة المخطط 150 مليار درهم، مبلغٌ كان كفيلاً بتحويل البلاد إلى نموذج زراعي رائد في إفريقيا، لكنه تحوّل في النهاية إلى رمز لسوء التدبير وتغول المصالح الخاصة.
إذ تم التركيز على دعم كبار المستثمرين تحت ذريعة “الفلاحة العصرية”، فيما تُرك الفلاح الصغير يواجه مصيره في مواجهة الجفاف، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وانعدام الدعم المباشر.
الأدهى من ذلك أن المخطط شجع زراعات شرهة للمياه مثل الأفوكادو والبطيخ الأحمر والفراولة، وهي محاصيل لا تتناسب مع الواقع المناخي للمغرب، بل تسهم في استنزاف الفرشات المائية وتدمير التوازن البيئي في عدد من المناطق.
فكيف يُعقل أن تُرخص وزارة الفلاحة لمشاريع ضخمة في مناطق تعاني من العطش، بينما تُغلق الآبار في وجه صغار الفلاحين الذين يعيشون من بضع هكتارات؟
من جهة أخرى، يعيش الكسابة اليوم وضعًا كارثيًا، بعدما ارتفعت أسعار الأعلاف إلى مستويات غير مسبوقة، دون تدخل فعّال من الوزارة لضبط السوق أو توفير دعم مباشر للفلاحين الصغار.
ومع ذلك، يصر الوزير على ترديد الشعارات ذاتها حول “التحول الأخضر” و”الجيل الأخضر”، وكأن الأمر لا يعدو أن يكون حملة تسويقية أكثر منه سياسة فلاحية منصفة.
لقد أصبح واضحًا أن ما يُعرف بـ”المخطط الأخضر” تحول إلى مشروع نخبوية زراعية يخدم لوبيات محددة، في وقت تم فيه تهميش العالم القروي الذي يُفترض أن يكون المستفيد الأول.
بل إن الهجرة القروية التي كان يفترض أن تحد منها السياسات الفلاحية، تضاعفت خلال العقد الأخير بسبب فشل هذه المشاريع في توفير فرص العيش الكريم.
فهل يدرك الوزير البواري أن الفلاح الصغير هو أساس الأمن الغذائي الحقيقي، وليس المستثمر الذي ينتج للتصدير؟ وهل يمكن الحديث عن “استدامة” في ظل استمرار هدر الماء، وتهميش الفئات المنتجة، وغياب الشفافية في تدبير الصفقات؟
لقد آن الأوان لفتح تحقيق شامل حول ما آلت إليه مشاريع المخطط الأخضر، ومحاسبة المسؤولين عن هذا التحول من حلم تنموي إلى سرابٍ مكلف.
فالمغاربة لم يعودوا بحاجة إلى وعود جديدة، بل إلى سياسة فلاحية واقعية تنصف من يزرع الأرض بيديه، وتعيد الاعتبار للفلاحة كمصدر للكرامة لا كخزان انتخابي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد