هبة زووم – الرباط
تعيش الأسواق المغربية هذه الأيام على وقع غضب شعبي متصاعد بسبب الارتفاع غير المسبوق في أسعار أضاحي عيد الأضحى، في مشهد صادم أعاد إلى الواجهة الأسئلة الثقيلة حول فشل تدبير قطاع الماشية، وحول الجهة التي تتحمل مسؤولية تحويل مناسبة دينية واجتماعية كبرى إلى كابوس حقيقي يطارد آلاف الأسر المغربية.
ففي مختلف الأسواق الأسبوعية، لم يكن حديث المواطنين سوى عن “النار المشتعلة” في أسعار الأكباش، وسط حالة من الذهول والاستياء، خاصة أن هذه السنة جاءت بعد موسم سابق لم يتم فيه ذبح الأضاحي بالوتيرة المعتادة، إضافة إلى الدعم المالي الكبير الذي استفاد منه مستوردو الأغنام والكسابة، فضلاً عن التساقطات المطرية المهمة التي أنعشت المراعي ورفعت الآمال بعودة القطيع إلى الوفرة.
لكن الواقع جاء معاكساً تماماً لكل التطمينات الرسمية، إذ وجد المواطن نفسه أمام عرض محدود وأسعار خيالية لم تشهدها الأسواق منذ سنوات، ما جعل كثيرين يعتبرون أن الخلل لم يعد مرتبطاً فقط بالسوق أو بالعرض والطلب، بل بسياسة فلاحية مرتبكة فشلت في قراءة الواقع واستباق الأزمة.
وزاد من حدة الغضب الشعبي التصريح الذي أدلى به أحمد البواري داخل البرلمان، عندما تحدث عن إمكانية اقتناء أضحية بألف درهم، وهو الرقم الذي اعتبره المواطنون بعيداً تماماً عن الواقع، في وقت تجاوزت فيه الأسعار سقوفاً غير مسبوقة، وأصبحت الأسواق شبه خاوية في عدد من المناطق.
ويرى متابعون أن ما وقع كان متوقعاً منذ البداية، بالنظر إلى أن القطيع الوطني لا يمكن أن يستعيد عافيته في أقل من سنة، خاصة وأن قرار تقليص الذبح خلال السنة الماضية لم يمنع استمرار الذبح المكثف داخل المجازر، إضافة إلى أن المواليد الجديدة ليست كلها جاهزة للتسويق والذبح خلال هذه الفترة.
كما أن وفرة الكلأ والمراعي دفعت عدداً من الكسابة إلى الاحتفاظ بالخرفان داخل الضيعات والمراعي بدل طرحها مبكراً في الأسواق، أملاً في تحقيق أرباح أكبر لاحقاً، وهو ما ساهم بدوره في تقليص العرض ورفع الأسعار.
وفي خضم هذا الوضع، جاء قرار محاربة “الشناقة” والوسطاء ليفتح باباً جديداً للنقاش، حيث اعتبر مهنيون ومتابعون أن القرار، رغم وجاهة أهدافه، اتخذ في توقيت غير مناسب، بعدما كان الوسطاء قد اقتنوا بالفعل أعداداً كبيرة من الأضاحي من الكسابة.
ويرى مراقبون أن الوسيط يظل حلقة أساسية داخل سلسلة تسويق الأغنام، بحكم أن عدداً كبيراً من الكسابة لا يملكون الإمكانيات اللوجستيكية والمالية لتدبير عمليات البيع المباشر داخل الأسواق، خاصة بعد استنزافهم في شراء الأعلاف وتحمل تكاليف التربية طوال السنة.
وتشير أصوات مهنية إلى أن الأزمة الحالية كشفت بوضوح حدود النموذج المعتمد في تدبير قطاع الماشية، وضرورة إعادة النظر في السياسة الفلاحية برمتها، من الإنتاج إلى التسويق، مع العمل على تنظيم القطاع وضبطه عبر بطاقات مهنية وآليات مراقبة واضحة تضمن الشفافية والتوازن داخل السوق.
كما تتزايد الدعوات إلى التحرك المبكر من الآن لتفادي تكرار السيناريو نفسه خلال السنة المقبلة، عبر اعتماد مقاربة استباقية حقيقية، تقوم على دعم الكسابة بشكل مباشر وفعال، وإعادة تقييم معطيات القطيع الوطني بعيداً عن الأرقام التي يعتبرها كثيرون غير دقيقة ولا تعكس حقيقة الماشية الموجهة للذبح.
وفي ظل هذا الوضع، يجد المواطن المغربي نفسه مرة أخرى الحلقة الأضعف داخل معادلة مختلة، يدفع وحده ثمن القرارات المرتبكة، والتقديرات غير الدقيقة، وغياب رؤية واضحة لتدبير واحد من أكثر القطاعات حساسية ارتباطاً بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
تعليقات الزوار