هبة زووم – أحمد الفيلالي
لا تزال تداعيات حملات هدم البنايات المخالفة بإقليم النواصر تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد المحلي، وسط تصاعد أصوات تنتقد طريقة تدبير هذا الملف الحساس، معتبرة أن المقاربة المعتمدة ركزت على تنفيذ قرارات الهدم أكثر من اهتمامها بالآثار الاجتماعية والإنسانية التي خلفتها على مئات الأسر.
ففي الوقت الذي تواصل فيه السلطات المحلية تقديم هذه العمليات باعتبارها جزءاً من جهود فرض احترام قانون التعمير ومحاربة البناء غير القانوني، يرى متابعون للشأن المحلي أن النتائج الميدانية أفرزت وضعاً اجتماعياً معقداً، خاصة بالنسبة للأسر التي وجدت نفسها بين عشية وضحاها دون مأوى واضح أو بدائل سكنية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار.
ومع حلول عيد الأضحى، برزت معاناة هذه الأسر بشكل أكبر، حيث واجه العديد منها ظروفاً استثنائية بعد فقدان مساكنها، واضطرت إلى البحث عن حلول مؤقتة في سوق الكراء الذي يعرف بدوره ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، ما زاد من الأعباء المالية على فئات تعاني أصلاً من الهشاشة الاقتصادية.
وتطرح هذه الوضعية أسئلة ملحة حول الكيفية التي تم بها تدبير الملف، وحول مدى مواكبة السلطات المختصة للأسر المتضررة بعد تنفيذ قرارات الهدم. فالمشكل لم يعد يقتصر على فقدان السكن فقط، بل امتد إلى تداعيات اجتماعية ونفسية وتربوية مست بشكل مباشر الأطفال والتلاميذ والأسر محدودة الدخل.
وتشير معطيات متداولة إلى أن عدداً من العائلات اضطرت إلى تغيير مقرات سكنها بشكل مفاجئ، وهو ما انعكس على المسار الدراسي لأبنائها، بعدما وجدت نفسها بعيدة عن المؤسسات التعليمية التي كانوا يتابعون بها دراستهم، فضلاً عن الصعوبات المرتبطة بالتنقل والتكاليف الإضافية التي فرضها هذا الوضع الجديد.
الأكثر إثارة للنقاش، وفق عدد من الفاعلين المحليين، هو أن بعض العقارات التي شملتها عمليات الهدم كانت مرتبطة بمشاريع تهيئة أو طرق لم تنطلق أشغالها بعد، ما فتح الباب أمام تساؤلات متزايدة حول دوافع الاستعجال في تنفيذ عمليات الهدم قبل توفير البدائل أو مباشرة الأوراش المعلن عنها.
وفي خضم هذا الجدل، يبرز سؤال آخر يتعلق بمسؤولية مختلف المتدخلين في تفشي البناء غير القانوني خلال السنوات الماضية. فالكثير من المتضررين يعتبرون أنفسهم ضحايا اختلالات متراكمة شملت ضعف المراقبة والتأخر في التدخل ووجود ثغرات في مساطر التعمير، وهو ما سمح باستمرار هذه الظاهرة لسنوات قبل أن يتم اللجوء إلى الحل الأكثر قسوة وهو الهدم.
ويرى متابعون أن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الزجري فقط، بل تقتضي اعتماد مقاربة متوازنة تجمع بين احترام القانون والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي للأسر، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواطنين استثمروا كل مدخراتهم في مساكن أصبحت اليوم في عداد المهدوم.
وأمام تصاعد الانتقادات، يجد عامل إقليم النواصر نفسه أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرة الإدارة الترابية على تدبير هذا الملف الشائك بمنطق الحكامة والتوازن بين سلطة القانون ومتطلبات العدالة الاجتماعية. فنجاح أي سياسة عمومية لا يقاس فقط بعدد قرارات الهدم المنفذة، بل أيضاً بمدى قدرتها على الحد من الأضرار الاجتماعية وضمان انتقال سلس يحفظ كرامة المواطنين ويعزز الثقة في المؤسسات.
ويبقى المؤكد أن ملف البناء غير القانوني بالنواصر لن يغلق بمجرد هدم البنايات، بل سيظل مطروحاً بقوة ما دامت الأسئلة المتعلقة بالبدائل السكنية، والمسؤوليات الإدارية السابقة، ومصير الأسر المتضررة، دون أجوبة واضحة ومقنعة للرأي العام.
تعليقات الزوار