هبة زووم – الرباط
لم تمر سوى ساعات قليلة على إعلان حزب التجمع الوطني للأحرار عن لوائحه الانتخابية الخاصة بالاستحقاقات التشريعية المقبلة، حتى وجد نفسه في مواجهة واحدة من أقوى الهزات التنظيمية والسياسية منذ توليه قيادة الحكومة، بعدما اهتزت هياكله بمدينة الرباط على وقع انسحابات جماعية شملت أسماء وازنة في تدبير الشأن المحلي بالعاصمة.
الحدث لم يكن عادياً، فالأمر يتعلق بخروج شخصيات تتصدر المشهد السياسي المحلي، وفي مقدمتها عمدة الرباط فتيحة المودني، التي تولت رئاسة مجلس المدينة سنة 2024 خلفاً لأسماء أغلالو، إلى جانب عدد من المنتخبين والمسؤولين الجماعيين الذين يشكلون جزءاً من الواجهة السياسية للحزب بالعاصمة.
وتضم لائحة المنسحبين رؤساء لجان ونواباً للرئيس ومستشارين جماعيين وأعضاء بمكاتب المجالس المنتخبة، وهو ما يمنح هذه الخطوة أبعاداً تتجاوز مجرد قرار فردي أو تنظيمي محدود، لتتحول إلى مؤشر سياسي يستحق التوقف عنده في ظرفية انتخابية دقيقة.
ورغم أن الموقعين على بيان الانسحاب اختاروا لغة دبلوماسية، متحدثين عن “اعتبارات موضوعية” حالت دون مواصلة أداء الأمانة الحزبية والسياسية والانتخابية في الظروف الحالية، فإن توقيت الخطوة يفتح الباب واسعاً أمام التأويلات السياسية، خاصة أنها جاءت مباشرة بعد الإعلان عن التزكيات الانتخابية.
ففي العادة، لا تنفجر مثل هذه الأزمات التنظيمية في الأحزاب الكبرى من فراغ، بل تكون في الغالب نتيجة تراكمات داخلية مرتبطة بطريقة تدبير التنظيم أو توزيع المواقع والمسؤوليات أو تدبير الاستحقاقات الانتخابية، وهي ملفات تتحول مع اقتراب موعد الانتخابات إلى قنابل موقوتة داخل مختلف الأحزاب.
وتكتسي هذه الانسحابات أهمية خاصة بالنظر إلى أنها وقعت في الرباط، العاصمة السياسية للمملكة، حيث يفترض أن يقدم الحزب الحاكم صورة متماسكة عن تنظيمه وقدرته على تدبير اختلافاته الداخلية، خصوصاً أنه يقود الحكومة ويستعد لخوض انتخابات حاسمة يسعى من خلالها إلى الحفاظ على موقعه في المشهد السياسي الوطني.
ويطرح هذا التطور أسئلة حقيقية حول مدى تأثير طريقة تدبير التزكيات على التوازنات الداخلية للحزب، ومدى قدرة القيادة الوطنية على احتواء تداعيات هذه الاستقالات ومنع انتقال العدوى إلى أقاليم وجهات أخرى قد تعرف بدورها توترات مشابهة مع اقتراب موعد الاقتراع.
كما تعيد هذه الواقعة إلى الواجهة النقاش القديم المتعلق بالديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب السياسية المغربية، ومدى قدرة الهياكل الحزبية على تدبير التنافس المشروع بين أعضائها دون الوصول إلى مرحلة الانسحاب أو القطيعة التنظيمية.
والأكيد أن حزب التجمع الوطني للأحرار وجد نفسه اليوم أمام تحد سياسي غير متوقع، لأن خسارة أصوات انتخابية محتملة شيء، وخسارة وجوه منتخبة تدبر الشأن المحلي وتمثل الحزب داخل المؤسسات شيء آخر تماماً.
فإذا كانت الأحزاب تقاس عادة بقوتها الانتخابية، فإنها تقاس أيضاً بقدرتها على الحفاظ على وحدتها الداخلية وتدبير خلافاتها بعيداً عن منطق المغادرين والناقمين. ولذلك تبدو استقالات الرباط أكثر من مجرد حدث تنظيمي عابر؛ إنها رسالة سياسية قوية تكشف أن معركة الانتخابات بدأت فعلاً داخل الأحزاب قبل أن تبدأ في صناديق الاقتراع.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل يتعلق الأمر بحادث معزول يمكن احتواؤه سريعاً، أم أننا أمام بداية تصدعات أعمق قد تعيد رسم ملامح التوازنات داخل الحزب الذي يقود الأغلبية الحكومية؟
تعليقات الزوار