الفقيه بنصالح.. عشر سنوات من الانتظارات ومطالب برحيل العامل القرناشي وسط أسئلة تدبير الفضاء العمومي
هبة زووم – أبو العلا العطاوي
لم تعد أزمة الفضاء العمومي بمدينة الفقيه بنصالح مجرد تفاصيل يومية تتعلق بأرصفة محتلة أو شوارع مزدحمة أو حدائق محدودة، بل تحولت إلى سؤال سياسي وتدبيري أكبر حول حصيلة سنوات من المسؤولية الترابية، ومدى قدرة السلطات المعنية على حماية حق المواطنين في مدينة تحترم كرامتهم وتضمن لهم شروط التنقل والعيش المشترك.
وبينما تتزايد الانتقادات بشأن وضعية عدد من الشوارع والأحياء، ترتفع أصوات مطالبة برحيل العامل القرناشي، الذي تربط هذه الانتقادات اسمه بمرحلة طويلة من التدبير الترابي، وتطرح أسئلة بشأن ما تحقق خلالها من تحسينات ملموسة في الحياة اليومية للسكان.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد المطالبة بتغيير المسؤولين، بل بفتح نقاش جدي حول الحصيلة والمساءلة: ما الذي تغير فعلياً في تدبير المجال الحضري؟ وإلى أي حد جرى التصدي للاختلالات التي تمس استعمال الملك العمومي؟ ولماذا ما زالت بعض أبسط حقوق المواطنين، وفي مقدمتها حق المشاة في أرصفة آمنة، تثير كل هذا الجدل؟
في عدد من الشوارع والأحياء، وفق الانتقادات المثارة بشأن وضعية المجال الحضري، يتحول الرصيف الذي يفترض أن يكون ممراً آمناً للراجلين إلى مساحة تتقاسمها السيارات والدراجات النارية والسلع المعروضة أمام المحلات، فضلاً عن امتدادات بعض الأنشطة التجارية.
والنتيجة أن المواطن يجد نفسه مضطراً إلى النزول إلى الطريق لمواصلة سيره، معرضاً سلامته للخطر، فيما يصبح استعمال الرصيف حقاً مشروطاً بما تتركه السيارات والأنشطة التجارية من مساحة.
إنها مفارقة لا تحتاج إلى خطابات مطولة لتوضيحها: كيف يمكن الحديث عن تأهيل المجال الحضري وتحسين جاذبية المدينة، بينما لا يستطيع طفل أو مسن أو شخص في وضعية إعاقة التنقل بأمان فوق رصيف يفترض أنه مخصص له؟
فالملك العمومي ليس غنيمة لمن ينجح في الاستحواذ عليه، ولا امتداداً مجانياً للمحلات والمقاهي، بل فضاء مشترك تحكمه قواعد قانونية يفترض تطبيقها على الجميع، دون انتقائية أو تساهل مع المخالفات.
وهنا يبرز دور السلطات المحلية والمصالح الجماعية المختصة في مراقبة الاستعمال غير القانوني للملك العمومي، وتطبيق القانون بصورة منتظمة، بدل الاكتفاء بتدخلات ظرفية لا تضمن معالجة مستدامة للمشكلة.
ولا تقف الإشكالات عند حدود الأرصفة، بل تمتد إلى الحاجة إلى حدائق عمومية وملاعب للقرب وفضاءات آمنة تتيح للأطفال اللعب، وتوفر للأسر أماكن مجانية للترفيه والتواصل الاجتماعي.
فعندما تضيق الخيارات المتاحة أمام الأطفال، تصبح الأزقة والشوارع بديلاً اضطرارياً للعب، بما قد يخلق مخاطر على سلامتهم وتوتراً بين السكان، ويطرح تساؤلات بشأن العدالة في توزيع التجهيزات والفضاءات العمومية بين مختلف الأحياء.
إن المدينة التي لا توفر فضاءات مناسبة للأطفال والشباب، ولا تمنح المشاة مكانتهم في التخطيط الحضري، مطالبة بمراجعة أولوياتها، لأن جودة الحياة لا تُقاس بعدد المشاريع المعلنة أو بجمالية الواجهات وحدها، بل بمدى قدرة السكان على استعمال المجال العام بحرية وأمان.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط إحداث تجهيزات جديدة، بل ضمان صيانتها وتوزيعها بشكل منصف، وربط التخطيط العمراني بالحاجيات الفعلية للسكان، مع إشراكهم في تحديد الأولويات وتتبع تنفيذها.
إن توجيه الانتقادات إلى تدبير الشأن الترابي بالفقيه بن صالح يقتضي وضع المسؤوليات في إطارها المؤسساتي الصحيح، والتمييز بين اختصاصات العامل والاختصاصات القانونية للمجلس الجماعي وباقي المتدخلين.
فالعامل، باعتباره ممثلاً للسلطة المركزية على المستوى الترابي، يضطلع بأدوار في نطاق الاختصاصات التي يحددها القانون، بينما تتوزع مسؤوليات تدبير المرافق الجماعية والملك العمومي والتجهيزات المحلية بين مؤسسات ومصالح متعددة، بحسب طبيعة كل ملف.
لكن هذا التداخل في الاختصاصات لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتبادل المسؤوليات أو التهرب من تقديم الأجوبة. فالمواطن من حقه أن يعرف الجهة المسؤولة عن كل اختلال، والإجراءات المتخذة لمعالجته، والنتائج التي تحققت على أرض الواقع.
ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة برحيل العامل القرناشي، كما يطرحها منتقدون، تفتح النقاش حول تقييم الأداء الترابي ومدى الاستجابة لانتظارات السكان، لكنها تظل موقفاً سياسياً ومطلباً يحتاج تقييمه إلى معطيات موثقة بشأن الحصيلة والاختصاصات والنتائج.
إن معالجة اختلالات الفضاء العمومي بالفقيه بن صالح لا تستدعي بالضرورة مشاريع ضخمة بقدر ما تتطلب إرادة واضحة في تطبيق القانون، وتنسيقاً بين السلطات المحلية والمجلس الجماعي والمصالح المعنية، وبرنامجاً عملياً لتحرير الأرصفة، وتنظيم الأنشطة التجارية، وتوفير فضاءات آمنة للأطفال، وصيانة الحدائق والساحات.
كما تقتضي نشر معطيات واضحة حول عمليات مراقبة الملك العمومي، والإجراءات المتخذة في حق المخالفات المثبتة، والمشاريع المبرمجة لتحسين شروط التنقل والعيش في الأحياء التي تعاني نقصاً في التجهيزات.
فالمطلوب ليس حملة عابرة لإخلاء رصيف أو إزالة عائق، ثم العودة إلى الوضع السابق، بل سياسة مستمرة تضمن احترام القانون وتمنع إعادة احتلال الفضاءات التي جرى تحريرها.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن اختزال مستقبل الفقيه بن صالح في بقاء مسؤول أو رحيله، مهما كانت المطالب المطروحة بشأنه. الرهان الحقيقي هو بناء تدبير ترابي قابل للمساءلة، يحدد المسؤوليات بوضوح، ويضع الإنسان في صلب الأولويات، ويجعل الفضاء العمومي حقاً مشتركاً لا مجالاً للاستحواذ.
فالفقيه بنصالح لا تحتاج فقط إلى أرصفة خالية من العوائق، بل إلى تدبير يضع حداً للفوضى، ويعيد الاعتبار لحق المواطن في مدينة آمنة ومنظمة. أما المطالبة برحيل المسؤولين، فلا تكتسب معناها الكامل إلا حين تقترن بمحاسبة واضحة عن الحصيلة، وتصور عملي لما ينبغي أن يتغير.