هبة زووم – علال الصحراوي
في الوقت الذي سارعت فيه جماعة الداخلة إلى الاحتفاء بإطلاق الشركة الجديدة المكلفة بتدبير قطاع النظافة، وتقديم الخطوة باعتبارها محطة جديدة في مسار تحديث المدينة والارتقاء بخدماتها، يطرح عدد من المتابعين للشأن المحلي سؤالاً أكثر عمقاً: هل يتعلق الأمر فعلاً بإصلاح حقيقي لقطاع النظافة، أم بمجرد تغيير في الواجهة الإدارية دون معالجة جوهر الاختلالات التي راكمتها المدينة خلال السنوات الماضية؟
فقد اعتادت المجالس المنتخبة في مختلف المدن المغربية تقديم كل عقد جديد أو صفقة جديدة باعتبارها “نقطة تحول” و”مرحلة جديدة”، غير أن المواطن لم يعد يقيس نجاح التدبير المحلي بحجم البلاغات أو عدد الآليات المستوردة، بل بما يراه يومياً في الشارع والحي والسوق والفضاءات العمومية.
صحيح أن توفير أسطول حديث وتجهيزات متطورة يبقى أمراً إيجابياً من حيث المبدأ، لكن التجارب السابقة أثبتت أن أزمة النظافة ليست دائماً أزمة معدات وآليات، بقدر ما هي أزمة حكامة ومراقبة وتتبع ومحاسبة. فكم من شركة دخلت إلى مدن مغربية وسط احتفالات رسمية وشعارات كبيرة، قبل أن تتحول بعد أشهر قليلة إلى موضوع للشكاوى والاحتجاجات بسبب تراجع جودة الخدمات وعدم احترام دفاتر التحملات.
وفي الداخلة تحديداً، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في تغيير اسم الشركة أو تجديد الشاحنات، بل في قدرة الجماعة على فرض مراقبة صارمة على أداء المفوض له، وضمان احترام التزامات العقد، وتوفير خدمة نظافة تستجيب فعلاً لمتطلبات مدينة أصبحت تقدم نفسها كواجهة سياحية واقتصادية واستثمارية على المستوى الوطني والدولي.
كما أن الحديث المتكرر عن “الطفرة التنموية” و”النقلة النوعية” يدفع إلى طرح سؤال آخر يتعلق بمدى انعكاس هذه المشاريع على الحياة اليومية للمواطنين. فالتنمية لا تُقاس فقط بالمشاريع المعلنة أو الصور التذكارية عند إعطاء الانطلاقة للأوراش، بل بمدى شعور الساكنة بتحسن ملموس في الخدمات الأساسية وجودة العيش.
ويرى متابعون أن جماعة الداخلة مطالبة اليوم بتقديم حصيلة دقيقة وشفافة حول واقع قطاع النظافة خلال السنوات الماضية، وحول أسباب اللجوء إلى شركة جديدة، وما إذا كانت التجربة السابقة قد حققت الأهداف المسطرة أم أنها انتهت إلى نتائج دون مستوى الانتظارات. فالمحاسبة تبدأ أولاً بتشخيص أسباب الفشل أو التعثر قبل الانتقال إلى الحديث عن نجاحات مستقبلية محتملة.
ويزداد هذا النقاش أهمية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث ترتفع وتيرة الإعلان عن المشاريع والخدمات الجديدة في عدد من الجماعات الترابية. وهو ما يجعل الرأي العام أكثر حرصاً على التمييز بين المشاريع ذات الأثر الحقيقي والمستدام، وبين المبادرات التي قد تُستثمر سياسياً لتسويق حصيلة انتخابية تبحث عن تجديد الثقة.
إن الداخلة، بما تمتلكه من مؤهلات استراتيجية وسياحية واقتصادية، تستحق أكثر من مجرد حملات تواصلية أو بلاغات احتفالية. إنها تحتاج إلى نموذج تدبيري يجعل من جودة الخدمات العمومية معياراً أساسياً للنجاح، ويضع مصلحة المواطن فوق كل الاعتبارات السياسية والانتخابية.
ففي النهاية، لن يكون الحكم على الشركة الجديدة من خلال ما كُتب عنها في البلاغات الرسمية، بل من خلال ما ستقدمه فعلياً على أرض الواقع، وما إذا كانت ستنجح في جعل النظافة خدمة يومية مستقرة، أم ستتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة الوعود التي اعتاد المواطن سماعها كلما اقترب موعد الاستحقاقات.
تعليقات الزوار