هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي لإثارة الجدل من جديد، عبر تدوينة نارية انتقد فيها بشدة تصويت الأغلبية داخل مجلس المستشارين ضد مقترح تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول أموال الدعم العمومي الموجهة لقطاع المواشي، معتبراً أن ما جرى يكشف عمق الأزمة التي تعيشها المؤسسات التمثيلية بالمغرب عندما يتعلق الأمر بملفات المال العام والمساءلة السياسية.
وجاءت تدوينة اليحياوي عقب إسقاط مقترح تقدمت به المعارضة لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الدعم المخصص لقطاع المواشي، والذي يقدر بحوالي 2800 مليار سنتيم، في وقت ما تزال فيه آثار الغلاء الحاد في أسعار الأضاحي تلقي بظلالها على الأسر المغربية التي وجدت نفسها عاجزة عن فهم التناقض الصارخ بين الأرقام الرسمية والواقع الذي عاينته داخل الأسواق.
واعتبر اليحياوي أن تصويت 83 مستشاراً ضد فتح تحقيق برلماني لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة التوازنات التي تحكم الغرفة الثانية، مشيراً إلى أن الوعود التي قدمتها الحكومة بشأن وفرة القطيع وبلوغ أعداد الماشية مستويات قياسية لم تنعكس على أرض الواقع، حيث اصطدم المواطنون بأسعار ملتهبة ومضاربات واسعة أثارت شكوكاً متزايدة حول مصير الدعم العمومي الموجه للقطاع.
وفي لهجة لا تخلو من السخرية السياسية، اعتبر الباحث أن مبررات الرافضين للجنة التقصي، القائلة بأن الملف لا يستدعي التحقيق، تعكس واقعاً آخر مفاده أن الحقيقة أصبحت واضحة إلى درجة لا تحتاج معها إلى مزيد من البحث، في إشارة إلى ما يعتبره غياباً للإرادة السياسية في فتح ملفات حساسة ترتبط بمصالح لوبيات نافذة.
ولم يتوقف اليحياوي عند حدود انتقاد قرار الأغلبية، بل وجه سهام نقده مباشرة إلى مجلس المستشارين نفسه، معتبراً أن هذه المؤسسة لم تعد تؤدي الدور الرقابي المنتظر منها، بل تحولت، وفق تعبيره، إلى فضاء لحماية المصالح الاقتصادية والمالية المرتبطة بمراكز النفوذ، بدل الدفاع عن مصالح المواطنين ومساءلة المستفيدين من المال العام.
ويرى متابعون أن الجدل الذي أثاره إسقاط لجنة تقصي الحقائق يعيد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول فعالية آليات الرقابة البرلمانية ومدى قدرة المؤسسات المنتخبة على ممارسة دورها الدستوري في مراقبة تدبير الأموال العمومية، خاصة في الملفات التي تهم القدرة الشرائية للمواطنين والأمن الغذائي للبلاد.
وفي ختام تدوينته، ذهب اليحياوي إلى أبعد من مجرد انتقاد القرار، حين دعا صراحة إلى مراجعة وجود الغرفة الثانية نفسها، معتبراً أن أول إصلاح دستوري ينبغي التفكير فيه هو إلغاء مجلس المستشارين بشكل نهائي، في موقف يعكس حجم الغضب الذي خلفه إسقاط مقترح التحقيق في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال الأشهر الأخيرة.
وبينما اختارت الأغلبية البرلمانية إغلاق باب التقصي، يبدو أن الأسئلة المرتبطة بمصير مليارات الدعم العمومي ستظل مفتوحة في ذهن الرأي العام، خصوصاً بعدما تحولت أسواق الأضاحي إلى عنوان بارز لأزمة ثقة متنامية بين الخطاب الرسمي وواقع المواطنين.
تعليقات الزوار