الإنترنت المفقود في تنغير.. هل تحرك المستشار البرلماني أملوك خدمة للساكنة أم تمهيداً للانتخابات؟

هبة زووم – محمد خطاري
في مشهد يثير أكثر من علامة استفهام، خرج المستشار البرلماني المداني أملوك، عن فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين، بسؤال كتابي جديد حول ضعف وانعدام شبكة الاتصالات والإنترنت بعدد من الجماعات الترابية التابعة لإقليم تنغير، في خطوة أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر الإشكالات التي تؤرق ساكنة المناطق الجبلية والنائية بالإقليم.
غير أن ما يطرح التساؤل بقوة ليس مضمون السؤال في حد ذاته، فالمشكل حقيقي وملموس وتدفع الساكنة ثمنه يومياً، بل توقيت هذا التحرك الذي جاء بعد سنوات من المعاناة والتهميش الرقمي، وبعد فترة طويلة من الانتظارات التي لم تجد طريقها إلى الحل.
ففي الوقت الذي أصبحت فيه التكنولوجيا الرقمية شرطاً أساسياً للتمدرس والعمل والاستثمار والولوج إلى الخدمات العمومية، ما تزال عشرات الدواوير التابعة لجماعات آيت هاني وأغيل نأمكون وإكنيون تعيش خارج العصر الرقمي، محرومة من أبسط شروط الاتصال بالعالم الخارجي، في مشهد لا ينسجم مع الشعارات الرسمية حول الرقمنة وتقليص الفوارق المجالية.
وقد أقر المستشار البرلماني نفسه، من خلال سؤاله الموجه إلى الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، بحجم هذه المعاناة، مستحضراً الوضعية الصعبة التي تعيشها دواوير أسينك وتيدرين وآيت داوود وتومليلين وأمسكار نوقا وتيشكي وأمامسين وتغاشيم وغيرها من المناطق التي ما تزال تعاني من ضعف أو انعدام التغطية الهاتفية والإنترنت.
لكن السؤال الذي يطرحه العديد من المتابعين للشأن المحلي بتنغير هو: أين كان صوت ممثلي الإقليم خلال السنوات الماضية؟ وأين كانت المرافعة السياسية الحقيقية عندما كانت الساكنة تشتكي من العزلة الرقمية وتأثيرها المباشر على التعليم والخدمات والإدارة الإلكترونية وفرص التنمية؟
فالواقع يؤكد أن أزمة الاتصالات بتنغير ليست وليدة اليوم، بل هي مشكلة مزمنة تعود إلى سنوات طويلة، وكانت موضوع عشرات الشكايات والنداءات التي رفعتها فعاليات مدنية وجمعوية وساكنة المناطق المتضررة دون أن تجد آذاناً صاغية بالقدر الكافي.
وإذا كان من الإيجابي إثارة هذا الملف تحت قبة البرلمان، فإن ذلك لا يعفي من مساءلة الأداء الترافعي للمنتخبين الذين يفترض فيهم نقل انشغالات المواطنين والدفاع عنها بشكل مستمر، لا أن تتحول بعض الملفات الحيوية إلى أوراق موسمية تعود إلى الواجهة كلما اقتربت المواعيد الانتخابية أو ارتفعت حدة الانتقادات الشعبية.
وتزداد حدة المفارقة عندما يتعلق الأمر بإقليم يعتبر من أكثر الأقاليم التي تحتاج إلى الاستثمار في البنيات التحتية الرقمية بسبب طبيعته الجبلية واتساع مجاله الترابي. فغياب الشبكة لم يعد مجرد مشكل تقني، بل تحول إلى عامل من عوامل تعميق الفوارق الاجتماعية والمجالية، وسبب مباشر في حرمان آلاف المواطنين من فرص التعليم عن بعد والخدمات الإدارية الرقمية والتواصل مع العالم الخارجي.
وفي ظل استمرار هذا الوضع، تبدو الساكنة في حاجة إلى حلول عملية وقرارات ميدانية أكثر من حاجتها إلى أسئلة برلمانية متأخرة. فالمواطن الذي يضطر إلى تسلق المرتفعات بحثاً عن إشارة هاتفية، أو التلميذ الذي يعجز عن الولوج إلى المنصات الرقمية، لا ينتظر المزيد من التشخيص، بل ينتظر أبراجاً للاتصالات وتغطية حقيقية تنهي سنوات العزلة.
اليوم، وبينما يطالب المستشار البرلماني الوزارة الوصية بالكشف عن التدابير الاستعجالية لمعالجة هذا الخلل، يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق الأسئلة إلى منطق النتائج، ومن تسجيل المعاناة على الورق إلى رفعها فعلياً عن ساكنة الإقليم.
أما الساكنة، التي أنهكتها سنوات الانتظار، فلم تعد تكتفي بالوعود أو المراسلات الإدارية، بل تريد معرفة متى ستصبح هذه المناطق جزءاً من المغرب الرقمي الذي تتحدث عنه الخطابات الرسمية، ومتى ستتحول العدالة الرقمية من شعار إلى واقع ملموس يصل إلى آخر دوار في جبال تنغير.
فالعزلة الرقمية ليست قدراً محتوماً، لكنها تصبح كذلك عندما يتأخر من يفترض فيهم الدفاع عن مصالح المواطنين في رفع الصوت والمطالبة بالحلول. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط عن الإجراءات التي ستتخذها الوزارة، بل أيضاً عن حصيلة الترافع السياسي الذي كان من المفترض أن يسبق وصول الأزمة إلى هذا المستوى من التفاقم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد