تارودانت: دورة عادية تكشف اختلالات القطاعات الحيوية وتعيد النقاش حول حصيلة المجلس الإقليمي

هبة زووم – تارودانت
انعقدت الدورة العادية لشهر يونيو لمجلس إقليم تارودانت بحضور عامل الإقليم ورئيس المجلس وأعضاء المؤسسة المنتخبة، وسط جدول أعمال حافل بالمصادقات والاتفاقيات والملحقات التعديلية والبرمجة المالية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة بعد سنوات من التدبير الإقليمي يظل أبسط وأعمق في الآن ذاته: ماذا جنت ساكنة تارودانت من كل هذه الدورات والاتفاقيات والمقررات؟
فالمتتبع للشأن المحلي بالإقليم يلاحظ أن أغلب دورات المجلس أصبحت تدور في فلك إعادة برمجة الاعتمادات، والمصادقة على ملاحق اتفاقيات، وإلغاء مقررات سابقة وتعويضها بأخرى جديدة، في مشهد يوحي بأن الإدارة المالية والتنظيمية أصبحت غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لتحقيق تنمية ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه في دورة يونيو الحالية هو إدراج نقطتين تتعلقان بالقطاع الفلاحي وقطاع الكهرباء، وهما من أكثر القطاعات التي تعاني منها ساكنة الإقليم.
فالفلاحون يعيشون منذ سنوات على وقع تحديات الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف البنيات المائية، بينما ما تزال العديد من المناطق القروية تعاني من اختلالات مرتبطة بالبنية الكهربائية والانقطاعات المتكررة وضعف التجهيزات.
لكن المفارقة أن هذه الملفات الحيوية لا تزال تُطرح على طاولة الدراسة والنقاش في كل دورة تقريباً، دون أن يلمس المواطن حلولاً جذرية أو تحولات نوعية توازي حجم التحديات المطروحة. فالمواطن البسيط لا تعنيه كثرة الاتفاقيات بقدر ما تعنيه النتائج على أرض الواقع.
ومن المفارقات كذلك أن المجلس يناقش برمجة الفائض الحقيقي لسنة 2025 وقراءة ثانية لميزانية 2026، في وقت تتزايد فيه الانتظارات التنموية بالإقليم، سواء على مستوى الطرق القروية أو البنيات الصحية أو دعم الاقتصاد المحلي أو خلق فرص الشغل. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول أولويات الإنفاق وحول الأثر الحقيقي للموارد المالية التي يتوفر عليها المجلس.
أما الاتفاقيات المعروضة للمصادقة، سواء المتعلقة بالمخيمات الصيفية أو القوافل الطبية أو مشاريع بعض الجماعات الترابية، فهي تظل مبادرات إيجابية من حيث المبدأ، لكنها تبقى في حاجة إلى تقييم دقيق لمدى فعاليتها ونتائجها، فالتنمية لا تقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وتحسين مؤشرات العيش الكريم.
لقد تحولت العديد من المجالس المنتخبة في مختلف مناطق المغرب إلى فضاءات لإنتاج الوثائق والمقررات أكثر من إنتاج الحلول، وأصبح المواطن يسمع كل سنة عن برامج جديدة واتفاقيات جديدة ومشاريع جديدة، بينما تبقى مشاكل الماء والكهرباء والفلاحة والبنيات الأساسية تراوح مكانها.
وفي حالة تارودانت، فإن حجم الإكراهات التنموية التي يعرفها الإقليم يفرض الانتقال من منطق التدبير الإداري الروتيني إلى منطق المبادرة والإنجاز والمحاسبة.
فالإقليم يتوفر على مؤهلات فلاحية وسياحية وطبيعية كبيرة، لكنه ما يزال يبحث عن نموذج تنموي قادر على تحويل هذه المؤهلات إلى قيمة مضافة حقيقية لفائدة الساكنة.
واليوم، لم يعد الرأي العام المحلي في حاجة إلى المزيد من العروض والتقارير والاتفاقيات بقدر حاجته إلى حصيلة واضحة بالأرقام والنتائج.
حصيلة تجيب عن أسئلة بسيطة لكنها جوهرية: كم مشروعاً أُنجز فعلياً؟ كم فرصة شغل تم خلقها؟ ما الذي تغير في حياة المواطنين؟ وما هي المسؤوليات المرتبطة بالمشاريع التي تعثرت أو لم تحقق أهدافها؟
إن دورة يونيو قد تمر كسابقاتها بالمصادقة على مختلف النقاط المدرجة في جدول الأعمال، لكن التحدي الحقيقي سيبقى خارج قاعة الاجتماعات، حيث ينتظر سكان تارودانت تنمية حقيقية لا تقاس بعدد المقررات، بل بما تتركه من أثر ملموس في الواقع اليومي للإقليم وساكنته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد