الفنيدق بين مطرقة الفقر وسندان السمسرة… مدينة تسير بسرعتين وتنتظر عدالة التنمية

هبة زووم – حسن لعشير
تحولت مدينة الفنيدق، الواقعة على تخوم مدينة سبتة المحتلة، من فضاء كان ينبض بالحركة التجارية والاقتصادية إلى نموذج صارخ لمدينة تعيش أزمة اجتماعية خانقة، بعدما وجدت نفسها تدفع ثمن التحولات الاقتصادية التي أعقبت إغلاق المعبر الحدودي، دون أن تواكبها مشاريع تنموية قادرة على خلق بدائل حقيقية تحفظ كرامة الساكنة وتعيد الحياة إلى اقتصاد محلي أصابه الشلل.
هذا الواقع أعاد إلى الواجهة ما جاء في الشريط المصور الذي نشره الفاعل المدني أحمد بيوزان، مستندا إلى تصريحات خالد بن عيسى، والذي رسم صورة قاتمة لمدينة “تسير بسرعتين”: سرعة بطيئة يعيشها آلاف المواطنين تحت وطأة البطالة والهشاشة والفقر، وسرعة أخرى يستفيد منها قلة من المنتفعين الذين وجدوا في المضاربة والسمسرة والبناء العشوائي بابا لتحقيق الأرباح.
فبينما تكافح أسر كثيرة من أجل توفير الحد الأدنى من مقومات العيش، بعدما فقدت مصادر دخلها عقب توقف النشاط التجاري المرتبط بالمعبر الحدودي، برزت بالمقابل فئة تستثمر في الفوضى، وتستفيد من شبكات السمسرة والوساطة، بل وتُتهم – وفق ما يتم تداوله محلياً – بتحويل بعض الملفات المرتبطة بالبناء العشوائي إلى مصدر للربح والنفوذ، في مشهد يعكس اختلالاً عميقاً في توزيع الفرص والثروة داخل المدينة.
المفارقة المؤلمة أن الفنيدق كانت لسنوات طويلة مدينة تعرف حركية اقتصادية وتجارية استثنائية بفضل موقعها الحدودي، لكن بعد إنهاء التهريب المعيشي، وهو قرار تفرضه اعتبارات سيادية وتنظيمية، لم تتم مواكبة الساكنة ببدائل اقتصادية حقيقية بالسرعة والنجاعة المطلوبتين، وهو ما جعل آلاف الأسر تجد نفسها فجأة في مواجهة البطالة والفقر، بينما بقيت المشاريع المعلنة عاجزة عن امتصاص حجم الأزمة.
ولا يتعلق الأمر اليوم بمجرد تراجع اقتصادي عابر، بل بمؤشرات اجتماعية مقلقة تنذر باتساع دائرة الهشاشة، في مدينة يفترض أن تكون واجهة تنموية بحكم موقعها الاستراتيجي. فالمقاهي الممتلئة بالعاطلين، والمحلات التجارية المغلقة، وتراجع الحركة التجارية، كلها شواهد يومية على حجم الأزمة التي تعيشها المدينة.
إن أخطر ما يكشفه هذا الواقع ليس فقط انتشار الفقر، بل الشعور المتنامي لدى الساكنة بأن التنمية لم تحقق العدالة المنشودة، وأن المستفيدين الحقيقيين من المرحلة الجديدة ليسوا أولئك الذين فقدوا مصدر رزقهم، بل فئات محدودة استطاعت التأقلم مع الواقع الجديد وتحويله إلى فرصة لتحقيق مكاسب خاصة.
ومن هنا تبرز مسؤولية مختلف المتدخلين في تقييم حصيلة البرامج التنموية التي أُطلقت لفائدة المنطقة، والوقوف بجرأة على أسباب تعثرها، ومدى قدرتها الفعلية على خلق فرص شغل مستدامة تعيد الأمل للشباب، بدل الاكتفاء بإطلاق الوعود والشعارات.
إن الفنيدق اليوم لا تحتاج إلى خطابات مطمئنة بقدر ما تحتاج إلى قرارات جريئة تعيد الاعتبار لاقتصادها المحلي، وتوفر بدائل حقيقية للسكان، وتقطع مع كل مظاهر الريع والسمسرة واستغلال الأزمات. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المشاريع المعلن عنها، وإنما بقدرتها على تحسين حياة المواطنين، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وترسيخ العدالة المجالية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ستظل الفنيدق مدينة تسير بسرعتين؛ واحدة بطيئة تحمل الفقر والبطالة والهشاشة، وأخرى سريعة تحمل الامتيازات والسمسرة والنفوذ؟ أم أن المرحلة المقبلة ستشهد تصحيحاً حقيقياً يعيد لهذه المدينة حقها في التنمية والعيش الكريم؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد