هبة زووم – الرباط
لم تمر زيارة رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، إلى جرف الملحة مروراً عادياً عند الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، الذي قرأها من زاوية انتخابية صرفة، وفتح من خلالها ملفاً أوسع يتعلق بعلاقة المسؤولين بالمناطق التي لا تظهر، بحسب انتقاده، إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع.
اليحياوي، وفي تدوينة جديدة ضمن سلسلة مواقفه النقدية من الانتخابات التشريعية المقبلة، استحضر زيارة رئيس الحكومة إلى جرف الملحة يوم 5 شتنبر الجاري، معتبراً أن المنطقة تقع في قلب ما يسميه «الغرب المنسي»، ومشيراً إلى قربها الجغرافي من منطقته الأصلية وارتباط سكانها بالسوق الأسبوعي للمدينة.
لكن المفارقة التي أثارت غضب الباحث، بحسب تدوينته، تتمثل في توقيت الزيارة وهدفها. فاليحياوي يقول إن رئيس الحكومة لم يأتِ إلى جرف الملحة عندما كانت المنطقة تواجه الفيضانات، ولم يزرها، وفق روايته، عندما جرفت السيول ماشية السكان وأشجارهم، كما لم يحضر في فترات الجفاف والعطش التي عانت منها المنطقة.
أما عندما اقترب موعد الانتخابات، يقول الباحث، فقد ظهرت الزيارة من أجل تثبيت مرشح حزب التجمع الوطني للأحرار في الاستحقاق المقبل.
وهنا يضع اليحياوي إصبعه على واحدة من أكثر النقاط حساسية في المشهد الانتخابي: هل تحضر الدولة والحكومة إلى المناطق المنسية فقط عندما تحتاج الأحزاب إلى أصوات سكانها؟
السؤال لا يتعلق بجرف الملحة وحدها، بل بنمط انتخابي أوسع يجعل مناطق مهمشة وقرى نائية تتحول، مع اقتراب الاستحقاقات، إلى محطات للزيارات والوعود والتجمعات، بعد أن تكون قد أمضت سنوات وهي تصارع مشاكل الطرق والماء والصحة والفلاحة والبطالة والتهميش.
اليحياوي لم يتوقف عند الزيارة الانتخابية، بل أثار أيضاً ما يعتبره علامات استفهام حول المرشح الذي جاء رئيس الحكومة لدعمه، متحدثاً عن مستوى دراسي قال إنه لا يتجاوز التعليم الابتدائي، وعن ثروة ومصادرها يقول إنه لا يعرفها، إضافة إلى “شبهات” أشار إليها في تدوينته.
وهذه النقطة تحديداً تطرح سؤالاً مشروعاً حول معايير اختيار المرشحين: هل المطلوب هو الكفاءة والنزاهة والقدرة على تمثيل المواطنين، أم أن معيار القوة الانتخابية والقدرة على حشد الأصوات يمكن أن يطغى على كل شيء آخر؟
وبطبيعة الحال، تظل الإشارات التي وردت في تدوينة اليحياوي بشأن ثروة المرشح أو وجود شبهات حوله مجرد انتقادات وادعاءات منسوبة إلى صاحبها ما لم تدعمها وثائق أو معطيات رسمية قابلة للتحقق. غير أن مجرد طرحها قبيل الانتخابات يفرض على المعنيين، سياسياً وأخلاقياً، تقديم التوضيحات اللازمة للرأي العام إذا كانت هناك معطيات ملموسة تستدعي الرد.
لكن الجزء الأكثر حساسية في التدوينة يرتبط بالمصنع المرتبط برئيس الحكومة في الطريق إلى وزان، حيث يقول اليحياوي إن أخنوش استغل زيارته لتفقد معمل للغاز، منتقداً، في السياق نفسه، إقامة المصنع فوق أراضٍ فلاحية، ومشيراً إلى ما يعتبره آثاراً بيئية مرتبطة بالتلوث واستنزاف المياه.
وهنا تنتقل القضية من مجرد زيارة انتخابية إلى سؤال آخر يتعلق بالتوازن بين الاستثمار وحماية الموارد الطبيعية ومصالح السكان المحليين، فإذا كانت المنطقة تعاني أصلاً من الجفاف والعطش، فإن أي نقاش حول استغلال مواردها المائية ينبغي أن يكون مبنياً على معطيات دقيقة ودراسات بيئية واضحة، وعلى سؤال بسيط: من يستفيد من الثروة والاستثمار، ومن يتحمل كلفة آثاره المحتملة؟
اليحياوي لا يخفي حجم استغرابه من زيارة رئيس الحكومة، بل يقول إن سماعه بخبر وصوله إلى إحدى حواضر “الغرب المنسي” جعله يشعر كما لو أن «مصيبة ما يرتب لها»، وهي عبارة تعكس حجم فقدان الثقة الذي يحاول الباحث التعبير عنه تجاه الطريقة التي تتعامل بها النخب السياسية مع هذه المناطق.
والرسالة السياسية التي تحملها التدوينة تبدو واضحة: لا يكفي أن يظهر المسؤول في المنطقة عندما يحين موعد الانتخابات، بل يجب أن يكون حاضراً عندما يغيب الإعلام، وعندما تجرف الفيضانات المواشي والمحاصيل، وعندما يضرب الجفاف، وعندما يعاني السكان من العطش.
فالمواطن، وفق هذا المنطق، ليس مجرد رقم في صندوق الاقتراع، والقرية ليست مجرد خلفية لصورة انتخابية، والزيارة الحكومية لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة لتقديم مرشح أو استعراض مشاريع، بينما تظل الأسئلة المرتبطة بالتنمية والعدالة المجالية معلقة.
وإذا كان رئيس الحكومة يطلب من سكان جرف الملحة والغرب ثقتهم في مرشحي حزبه، فإن السؤال المقابل الذي يطرحه اليحياوي يبدو أكثر إلحاحاً: أين كانت الحكومة عندما كان الغرب يغرق؟ وأين كانت عندما عطش؟ ولماذا تذكرته الآن، في موسم الانتخابات؟
إنها أسئلة لن تجيب عنها الصور الانتخابية ولا التجمعات الخطابية، وإنما تحتاج إلى حصيلة، وأرقام، ومشاريع ملموسة، وحضور مستمر للدولة في المناطق التي لا ينبغي أن تتذكرها السلطة فقط عندما تقترب صناديق الاقتراع.
وفي نهاية المطاف، تبقى جرف الملحة اختباراً صغيراً لسؤال أكبر: هل تريد الأحزاب أصوات الغرب المنسي، أم أنها مستعدة فعلاً لتحمل مسؤولية إنقاذه من النسيان؟
تعليقات الزوار