هبة زووم – سبتة
عادت قضية أزمة سبتة المحتلة إلى واجهة النقاش السياسي في إسبانيا، بعد التصريحات التي أدلى بها غابرييل روفيان، المتحدث باسم حزب اليسار الجمهوري الكتالوني “إيرك”، والذي اعتبر أن الوثائق التي رُفعت عنها السرية بشأن الأحداث تكشف، بحسب قراءته، عن وجود جزء من أجهزة الدولة الإسبانية يتحرك في اتجاه يتعارض مع الحكومة التي يقودها رئيس الوزراء بيدرو سانشيز.
وربط روفيان هذه الخلاصات بالمعلومات التي تضمنتها الوثائق التي أصبحت متاحة للعموم، معتبراً أنها تدعم الرواية التي سبق أن قدمتها وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبلس بشأن علم أجهزة الدولة مسبقاً بتحركات ودعوات كان من شأنها أن تفضي إلى دخول جماعي إلى سبتة.
وبحسب المعطيات التي استند إليها روفيان، فإن مركز الاستخبارات الوطني الإسباني CNI كان قد رصد، في 29 يوليوز الماضي، دعوة منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي تتضمن نداءً لتنفيذ اقتحام للحدود، وتم إبلاغ كل من المندوبية الحكومية في سبتة والحرس المدني بهذه المعلومة.
ويستند الجدل الحالي إلى سؤال أساسي يتعلق بطبيعة المعلومة التي توصلت بها السلطات الإسبانية قبل الأحداث، وما إذا كان إشعار المؤسسات الأمنية بوجود دعوات على شبكات التواصل الاجتماعي يرقى إلى مستوى التحذير المسبق من احتمال وقوع دخول جماعي إلى المدينة.
وفي هذا السياق، سبق للحكومة الإسبانية أن أوضحت أن توصل السلطات بالمعلومة المتعلقة بالدعوات لا يعني بالضرورة أن أجهزة الاستخبارات وجهت تحذيراً محدداً بشأن وصول جماعي ووشيك إلى سبتة.
غير أن روفيان قدم قراءة مختلفة، معتبراً أن الوثائق التي رفعت عنها السرية لا تؤكد فقط أن جهاز الاستخبارات كان على علم بالدعوات التي سبقت الأحداث، وإنما تكشف، حسب قوله، عن مشكلة أعمق تتعلق بعلاقة الحكومة ببعض أجهزة الدولة.
وفي تصريحات صحفية نقلت عنه، ذهب المتحدث باسم “إيرك” إلى حد القول إن ما تكشفه الوثائق يؤكد، من وجهة نظره، أن هناك جزءاً من الدولة الإسبانية يعمل ضد الحكومة، في إشارة مباشرة إلى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المعنية بالملف.
وقال روفيان إن الحكومة الإسبانية “لا تسيطر على جزء من دولتها”، قبل أن يختصر موقفه بعبارة لافتة: “تحكم، نعم، لكنها لا تأمر”.
وتضع هذه التصريحات الأزمة في سبتة ضمن إطار سياسي ومؤسساتي أوسع، يتجاوز السؤال المتعلق بالاستعدادات الأمنية للأحداث، إلى طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية وأجهزة الدولة، ومدى قدرة الحكومة على ضمان انسجام القرارات والمعلومات داخل المؤسسات التي يفترض أن تعمل تحت إشرافها.
ومن شأن نشر أو رفع السرية عن الوثائق المرتبطة بأحداث سبتة أن يوسع دائرة النقاش داخل إسبانيا حول ما جرى قبل الأزمة، وكيف تم التعامل مع التحذيرات والمعلومات المتوفرة لدى الأجهزة المختصة، وما إذا كانت قنوات التنسيق بين مختلف المؤسسات قد اشتغلت بالكفاءة المطلوبة.
وفي الوقت الذي يرى فيه روفيان أن هذه المعطيات تعزز رواية وجود تحرك مؤسساتي لا ينسجم مع توجه الحكومة، يبقى تحديد المسؤوليات وطبيعة ما وقع رهيناً بما تتضمنه الوثائق كاملة، وبالقراءة الرسمية للمؤسسات المعنية، بعيداً عن الاستنتاجات السياسية التي قد ترافق نشر المعطيات السرية.
وهكذا، يبدو أن ملف سبتة لم يغلق بعد، بل انتقل من النقاش حول تدبير الحدود والأمن إلى سجال أكثر حساسية يتعلق بمدى انسجام أجهزة الدولة الإسبانية في ما بينها، وحدود سلطة الحكومة على المؤسسات التي يفترض أنها تعمل ضمن منظومتها التنفيذية.
تعليقات الزوار