القنيطرة تختنق.. أحمد كيكيش يضع عامل الإقليم في مرمى المسؤولية ويدعو إلى تكتل للدفاع عن الحق في بيئة سليمة
هبة زووم – القنيطرة
لم يعد تلوث مدينة القنيطرة مجرد موضوع عابر يثار بين الحين والآخر على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تحولت الروائح الكريهة والأدخنة والغازات المنبعثة إلى مصدر قلق متزايد لدى عدد من السكان، وسط مطالب متكررة بالكشف عن مصادر التلوث، وتحديد المسؤوليات، ووضع حد لما يصفه المتضررون بوضع بيئي لم يعد يحتمل الصمت.
وفي خضم هذا الجدل، دخل المدير الإقليمي السابق والباحث في الشؤون التربوية أحمد كيكيش على الخط، متفاعلاً مع تدوينة لخالد اختصر فيها حجم المعاناة بعبارة شديدة الدلالة: “واكواك الحق نموت اختناقا بمدينة القنيطرة بسبب التلوث والروائح الكريهة”.
كيكيش لم يكتف بالتعاطف مع صاحب التدوينة، بل ذهب مباشرة إلى جوهر الإشكال، واضعاً المسؤولية المؤسساتية في صلب النقاش، حين اعتبر أن عامل الإقليم يتحمل، في تقديره، مسؤولية أساسية في تدبير هذه الكارثة البيئية، باعتباره ممثل الحكومة ومنسقاً للمصالح الخارجية، وساهراً على أمن وطمأنينة الساكنة ومحركاً لعجلة التنمية بالإقليم.
وهنا تنتقل القضية من مجرد شكوى من “رائحة كريهة” إلى سؤال أكبر: من المسؤول عن حماية سكان القنيطرة من الأخطار البيئية التي تحيط بهم؟
فحين يتحدث المواطن عن روائح خانقة وأدخنة وغازات، فإن الأمر لا يتعلق فقط بانزعاج حسي أو مشكلة مؤقتة، وإنما يطرح أسئلة حول جودة الهواء، ومصادر الانبعاثات، والمراقبة البيئية، ومدى احترام المنشآت الصناعية للمعايير المعمول بها، وفعالية تدخل المصالح المختصة.
اللافت في موقف كيكيش أنه ربط بشكل مباشر بين البيئة والتنمية، وهي نقطة غالباً ما يتم تجاوزها في النقاشات المحلية، فأي حديث عن جعل القنيطرة قطباً اقتصادياً وصناعياً وتنموياً يفقد جزءاً كبيراً من معناه إذا كان المواطن مطالباً، في المقابل، بدفع ثمن هذه التنمية من صحته وراحة أسرته وجودة الهواء الذي يتنفسه.
فالتنمية ليست مصانع ومشاريع واستثمارات فقط، التنمية أيضاً بيئة سليمة، وهواء نظيف، وحق المواطن في العيش بعيداً عن مصادر التلوث.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كانت القنيطرة تعرف بالفعل مصادر تلوث متكررة، فلماذا لم يتم الحسم فيها بشكل نهائي؟ وهل توجد قياسات منتظمة وشفافة لجودة الهواء؟ ومن يحدد مصدر الروائح والأدخنة؟ وهل يتم نشر نتائج المراقبة البيئية للرأي العام؟ أسئلة لا يمكن أن تجيب عنها البلاغات ولا التطمينات العامة.
الأهم في تدوينة أحمد كيكيش أنه لم يكتف بتحميل المسؤولية للجهات المختصة، بل اقترح تشكيل تكتل يضم نشطاء وشخصيات وجمعيات للدفاع عن الحق في بيئة سليمة بمدينة القنيطرة.
وهذه الدعوة، إذا تحولت إلى مبادرة مدنية منظمة، يمكن أن تنقل ملف التلوث من فضاء التدوينات المتفرقة إلى فضاء الترافع المدني والمؤسساتي.
فالمواطن الذي يشتكي من الرائحة يحتاج إلى أكثر من تسجيل غضبه على فيسبوك. يحتاج إلى معطيات، وقياسات، وشكايات موثقة، وطلبات معلومات، ولقاءات مع المسؤولين، ومتابعة لما يتم اتخاذه من إجراءات، ثم مساءلة الجهات المختصة عن نتائجها، ذلك أن القضية البيئية لا ينبغي أن تتحول إلى معركة موسمية تظهر كلما اشتدت الروائح، ثم تختفي بمجرد تغير اتجاه الرياح.
ومع أن كيكيش قدم موقفه بصيغة سياسية ومدنية واضحة، فإن الحسم في المسؤوليات يظل مرتبطاً بالمعطيات والاختصاصات ونتائج التحقيق والمراقبة الرسمية. لكن ذلك لا يلغي جوهر السؤال الذي طرحه: هل تقوم المؤسسات المعنية بما يكفي لحماية سكان القنيطرة من التلوث؟
وإذا كانت هناك مصادر محددة للتلوث، فمن حق السكان معرفة طبيعتها، والجهات المسؤولة عنها، والإجراءات المتخذة في حق المخالفين، والآجال المحددة لمعالجة الوضع.
أما ترك المواطنين أمام روائح مجهولة المصدر وأدخنة وغازات لا يعرفون طبيعتها، فذلك كفيل بتحويل القلق البيئي إلى أزمة ثقة في المؤسسات.
القنيطرة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من النقاش حول ما إذا كانت الروائح موجودة أم لا؛ بل تحتاج إلى أجوبة علمية ومؤسساتية، من أين يأتي التلوث؟ ما طبيعته؟ ما مدى تأثيره؟ من يراقب؟ من يتحمل المسؤولية؟ ومتى سيختفي؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون على طاولة عامل الإقليم والمصالح المختصة والسلطات البيئية والمنتخبين والفاعلين الصناعيين، بدل أن يبقى المواطن وحده في مواجهة الهواء الذي يتنفسه.
وفي النهاية، فإن اقتراح أحمد كيكيش تشكيل تكتل مدني قد يكون بداية لتحويل الغضب الشعبي إلى فعل مؤسساتي منظم، لأن الحق في بيئة سليمة ليس ترفاً، ولا مطلباً موسمياً، ولا قضية يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية، القنيطرة تحتاج إلى تنمية نعم، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى هواء يستطيع سكانها أن يتنفسوه دون خوف.