هبة زووم – القنيطرة
لم يكن رحيل جواد غريب، رئيس المجلس الإقليمي للقنيطرة وأحد أبرز الوجوه السياسية لحزب التجمع الوطني للأحرار، مجرد حدث إنساني مؤلم، بل تحول في لحظات إلى زلزال سياسي أربك حسابات الحزب، وكشف حجم الارتهان الذي أصبحت تعيشه بعض التنظيمات السياسية لأسماء بعينها، بدل بناء مؤسسات قوية قادرة على إنتاج قيادات بديلة.
فوفاة غريب، الذي كان الحزب يعول عليه لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة بالقنيطرة والغرب عموما، وضعت قيادة “الحمامة” أمام واقع لا يمكن إخفاؤه بالبلاغات التأبينية أو كلمات الرثاء، وهو أن الحزب الذي يتحدث باستمرار عن تجديد النخب وإعداد الكفاءات، يجد نفسه اليوم أمام فراغ سياسي وتنظيمي في واحدة من أهم الدوائر الانتخابية بجهة الرباط سلا القنيطرة.
لقد سارع حزب التجمع الوطني للأحرار إلى نعي الراحل والإشادة بمساره السياسي، وهو أمر طبيعي وإنساني، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: كيف لحزب يقود الحكومة ويتوفر على إمكانيات تنظيمية ومالية كبيرة أن يجد نفسه مرتبكاً بمجرد غياب اسم واحد؟ وأين هي النخب التي ظل الحزب يتحدث عن تكوينها وتأهيلها لقيادة المرحلة المقبلة؟
إن ما وقع يعيد إلى الواجهة إشكالية أعمق تعاني منها الأحزاب المغربية، وهي ربط الحضور السياسي بأشخاص أكثر من ربطه بالمؤسسات. فحين يصبح رحيل قيادي واحد كفيلاً بإرباك الحسابات الانتخابية، فإن ذلك يعكس خللاً في آليات التأطير وإنتاج القيادات، ويطرح تساؤلات حول مدى نجاح الأحزاب في إعداد الخلف وتوسيع قاعدة الكفاءات.
ولم يكن جواد غريب شخصية عابرة داخل الحزب، بل كان أحد أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها بتدبير الشأن المحلي بالقنيطرة، وهو ما يجعل غيابه يترك فراغاً سياسياً وتنظيمياً يصعب تعويضه في ظرف زمني قصير، خصوصاً مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية.
غير أن المشهد يكشف أيضاً مفارقة سياسية لافتة؛ فالأحزاب التي تتحدث في خطاباتها عن التداول وتجديد النخب، ما تزال في الواقع تراهن على الأسماء نفسها، وتعيد تدوير الوجوه ذاتها، حتى أصبحت بعض الدوائر الانتخابية مرتبطة بأشخاص أكثر من ارتباطها بمشاريع سياسية أو برامج تنموية.
واليوم، يجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام اختبار حقيقي، ليس فقط في كيفية تدبير هذا الفراغ، وإنما في قدرته على إثبات أن قوته التنظيمية لا ترتبط بشخص مهما كانت مكانته، بل بمؤسسة حزبية قادرة على الاستمرار وإفراز قيادات جديدة.
لقد أعاد رحيل جواد غريب التذكير بحقيقة طالما تجاهلتها الأحزاب، وهي أن السياسة لا تبنى على الأشخاص وحدهم، وأن الرهان على أسماء بعينها دون الاستثمار الحقيقي في تكوين الأطر وتجديد النخب، يجعل أي غياب مفاجئ يتحول إلى أزمة تنظيمية وانتخابية.
وفي خضم هذا النقاش السياسي، يبقى الجانب الإنساني هو الأسمى. فرحيل جواد غريب خسارة لعائلته ومحبيه ولكل من عرفه، قبل أن يكون خسارة لحزبه أو للمشهد السياسي المحلي.
تعليقات الزوار