هبة زووم – علال الصحراوي
يبدو أن قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار قررت أن تجعل من كل رقم إيجابي، ولو كان محدود الأثر، مناسبة لإعلان “الانتصار”، حتى وإن كان المواطن المغربي يعيش يومياً واقعا مختلفا تماما.
فبمجرد صدور معطيات تشير إلى تراجع طفيف في معدل البطالة، سارع محمد شوكي، رئيس الحزب، إلى تقديم الأمر كما لو أنه إنجاز تاريخي يؤكد نجاح الحكومة في قيادة البلاد نحو بر الأمان، متناسيا أن المغاربة يقيسون نجاح الحكومات بما يعيشونه في جيوبهم وأسواقهم، لا بما تتضمنه الخطب والبلاغات السياسية.
فإذا كان معدل البطالة قد عرف، وفق الأرقام الرسمية، تراجعا من 10.8 إلى 9.5 في المائة، فإن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط هو: هل انعكس ذلك على حياته اليومية؟ وهل انخفضت أسعار المواد الغذائية؟ وهل تراجعت كلفة المعيشة؟ وهل استعادت الأسر قدرتها الشرائية التي استنزفتها موجات الغلاء المتتالية؟
الحقيقة أن المغاربة لا يعيشون بالأرقام المجردة، بل بالواقع. والواقع يقول إن أسعار المواد الأساسية لا تزال تثقل كاهل الأسر، وإن تكاليف السكن والنقل والتعليم والصحة أصبحت تستنزف مداخيل الطبقة المتوسطة والفقيرة، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن نجاحات اقتصادية لا يلمسها المواطن إلا في التصريحات الرسمية.
محمد شوكي تحدث عن إصلاحات هيكلية كبرى في الصحة والتعليم والاستثمار والعدالة، واعتبرها الأساس الحقيقي للدولة الاجتماعية. لكن ماذا عن المستشفيات التي ما تزال تعاني من نقص الموارد البشرية والتجهيزات؟ وماذا عن المدرسة العمومية التي يواصل آلاف الأسر الهروب منها نحو التعليم الخصوصي رغم كلفته المرتفعة؟ وأين هو أثر هذه الإصلاحات على حياة المواطن الذي يقضي ساعات في طوابير العلاج أو يبحث عن فرصة عمل تحفظ له كرامته؟
الأكثر إثارة أن رئيس حزب الأحرار اختار التركيز على رقم البطالة وحده، متجاهلاً مؤشرات أخرى لا تقل أهمية، من قبيل هشاشة مناصب الشغل، واتساع رقعة العمل غير المهيكل، واستمرار الفوارق الاجتماعية، وتآكل القدرة الشرائية بفعل التضخم وارتفاع الأسعار.
فخلق فرص الشغل لا يقاس فقط بعدد المناصب المعلن عنها، وإنما بجودتها واستقرارها وقدرتها على توفير عيش كريم. أما أن يتحول أي انخفاض طفيف في نسبة البطالة إلى مادة للدعاية السياسية، في وقت يشعر فيه المواطن بأن حياته لم تتغير، فإن ذلك لا يزيد سوى من تعميق فجوة الثقة بين الخطاب الرسمي والواقع.
ولعل المفارقة الكبرى أن الحكومة التي تتحدث اليوم عن نجاحاتها، هي نفسها التي واجهت خلال ولايتها انتقادات واسعة بسبب الارتفاع غير المسبوق في أسعار المحروقات والمواد الأساسية، وتراجع القدرة الشرائية، وتنامي الإحساس بالإحباط لدى فئات واسعة من الشباب، وهي ملفات لا يمكن تجاوزها بخطابات احتفالية أو بقراءة انتقائية لبعض المؤشرات.
إن الرأي العام لا يحتاج إلى خطابات تمجد الذات، بقدر ما يحتاج إلى تقييم صريح وشجاع للحصيلة الحكومية. فنجاح أي حكومة لا يقاس بعدد القوانين التي أخرجتها أو البرامج التي أعلنتها، وإنما بمدى شعور المواطن بتحسن ملموس في مستوى عيشه، وقدرته على توفير احتياجات أسرته، وثقته في المستقبل.
أما تحويل كل رقم إيجابي إلى “فتح مبين”، مع تجاهل الأزمات التي يعيشها المغاربة يومياً، فلن يغير من الواقع شيئاً، لأن المواطن أصبح أكثر وعياً، ويستطيع أن يميز بين لغة الأرقام التي تروجها السياسة، ولغة الأسواق والفواتير التي يواجهها كل يوم.
ولهذا، فإن أكبر تحد يواجه الحكومة اليوم ليس الدفاع عن حصيلتها عبر المنابر الحزبية، وإنما إقناع المغاربة، بالأفعال لا بالأقوال، بأن حياتهم أصبحت أفضل مما كانت عليه قبل خمس سنوات.
تعليقات الزوار