طنجة.. الغلاء يضغط على المواطنين والوالي التازي أمام أسئلة الحكامة

هبة زووم – طنجة
في طنجة، لا يحتاج المواطن البسيط إلى كثير من التحليل الاقتصادي حتى يدرك أن شيئاً ما يضغط على حياته اليومية. يكفي أن يدخل السوق، أو يتلقى فاتورة الماء والكهرباء، أو يبحث عن كراء شقة، أو يقف أمام مؤسسة صحية، حتى يجد نفسه أمام سؤال واحد يتكرر بإلحاح: كيف يمكن للأسرة محدودة الدخل أن تستمر في العيش وسط هذا الغلاء المتصاعد؟
ومن هنا تبدو عبارة “جوع كلبك يتبعك”، التي تُستعمل مجازاً لوصف منطق إخضاع الإنسان عبر إضعاف قدرته على الاستقلال، مناسبة لفتح نقاش أوسع حول الوضع الاجتماعي والاقتصادي بالمدينة، لا باعتبارها اتهاماً مباشراً للوالي التازي، وإنما باعتبارها سؤالاً سياسياً حول نتائج السياسات العمومية على حياة المواطنين.
فطنجة التي تقدم باعتبارها قطباً اقتصادياً وصناعياً وسياحياً، وواجهة للاستثمار والتنمية، تضم في المقابل فئات اجتماعية تواجه يومياً ارتفاع كلفة المعيشة، وصعوبة الولوج إلى السكن، وضغط المصاريف الصحية والتعليمية، وتراجع القدرة على مواجهة أبسط الطوارئ المالية.
وهنا تظهر المفارقة الصارخة بين طنجة التي تُعرض في الخطابات الرسمية كمدينة للمشاريع الكبرى، وطنجة التي يعيشها المواطن داخل السوق والحي ووسائل النقل والإدارة.
فما قيمة الحديث عن الاستثمارات الكبرى إذا كان المواطن العادي عاجزاً عن مجاراة ارتفاع الأسعار؟ وما معنى مؤشرات النمو إذا لم يشعر بها العامل، والحرفي، والموظف، والتاجر الصغير، والشاب الباحث عن عمل؟ المشكلة ليست في وجود المشاريع، بل في السؤال الأهم: من يستفيد من ثمار التنمية؟
فالتنمية التي لا تصل آثارها إلى الفئات الهشة، أو التي لا تنعكس على الدخل وفرص الشغل وجودة الخدمات، معرضة لأن تتحول من مشروع اجتماعي إلى مجرد أرقام جميلة في التقارير.
وفي طنجة، تتداول الأوساط المحلية انتقادات بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة، في مقابل شعور لدى فئات من السكان بأن الفجوة بين الإمكانات الاقتصادية الهائلة للمدينة وبين واقعهم اليومي أصبحت أكثر وضوحاً.
والأخطر أن المواطن لا يواجه الغلاء وحده؛ فحين تتراكم تكاليف السكن والغذاء والنقل والعلاج والتعليم، تصبح الأسرة أمام معادلة صعبة: ماذا نؤدي أولاً، وماذا نؤجل؟
ومن هنا فإن مسؤولية السلطات المحلية لا يمكن أن تختزل في تتبع الأوراش والمشاريع، بل تشمل أيضاً رصد انعكاسات السياسات الاقتصادية والاجتماعية على السكان، والتنسيق بين مختلف المصالح لمحاربة مظاهر الاستغلال والاحتكار، وضمان احترام القوانين، وحماية المستهلك، وتحسين جودة الخدمات العمومية.
أما الحديث عن أن كل شيء يسير على ما يرام لأن المدينة تعرف مشاريع واستثمارات، فهو خطاب لا يستطيع أن يلغي حقيقة بسيطة: المواطن يقيس التنمية بما يدخل جيبه وما يخرج منه، وبجودة الخدمة التي يحصل عليها، وبقدرته على العيش بكرامة.
ولهذا فإن الوالي التازي، باعتباره المسؤول الترابي الأول، يجد نفسه أمام أسئلة مشروعة حول ما يمكن للسلطات المحلية فعله لتخفيف الضغط عن الفئات الهشة، وضمان مراقبة الأسواق، ومحاربة كل الممارسات التي قد تضر بالمستهلك، والدفع نحو تنمية أكثر عدالة في توزيع ثمارها.
فالمواطن لا يريد صدقة، ولا يبحث عن امتيازات مجانية؛ إنه يريد فقط أن تكون له فرصة عادلة في العيش والعمل والسكن والعلاج والتعليم، أما اختزال الفقر في أرقام، والغلاء في عوامل خارجية، ومعاناة الأسر في مجرد “ظروف اقتصادية”، فلن يحل المشكلة.
فالإنسان الذي يعود إلى بيته ولا يعرف كيف سيدبر مصاريف اليوم الموالي، لا تعنيه كثيراً لغة المؤشرات الكبرى. والذي يعجز عن توفير حاجيات أبنائه الأساسية، لن تقنعه صور المشاريع وحدها.
طنجة اليوم تحتاج إلى تنمية تجعل الإنسان في قلب الحسابات، لا إلى تنمية تكتفي بتلميع الواجهة، فالمدينة التي تريد أن تكون قطباً اقتصادياً عالمياً، مطالبة أولاً بأن تجعل مواطنيها يشعرون بأنهم شركاء في ثروتها، لا مجرد متفرجين على ازدهارها.
والسؤال الذي سيظل مطروحاً بقوة: هل تستطيع طنجة أن تحقق معادلة التنمية والعدالة الاجتماعية معاً، أم سيظل المواطن البسيط يدفع ثمن ارتفاع الأسعار بينما تتحدث التقارير عن الرخاء؟ لأن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد الأبراج والمشاريع فقط، وإنما بقدرة المواطن البسيط على أن يعيش دون خوف دائم من الغد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد