هبة زووم – الدار البيضاء
أعادت الوضعية داخل السجن المحلي عين السبع بالدار البيضاء إلى الواجهة النقاش حول نجاعة التدبير الإداري للمؤسسات السجنية، في ظل ما يتم تداوله من انتقادات مرتبطة بظروف الإيواء والانضباط وبعض الخدمات المقدمة للنزلاء، وما يطرح ذلك من تساؤلات حول قدرة الإدارة على تدبير الإكراهات اليومية والاستجابة للملاحظات والشكايات.
ولا يتعلق النقاش، في جوهره، بمجرد رصد صعوبات تعرفها مؤسسة سجنية، إذ من الطبيعي أن تواجه المؤسسات ذات الطبيعة الحساسة ضغوطاً مرتبطة بالاكتظاظ والموارد البشرية ومتطلبات الأمن والانضباط، وإنما يرتبط أساساً بمدى قدرة الإدارة على التوقع والتدبير والاستباق ومعالجة الاختلالات كلما ظهرت.
فحتى عندما تكون الإكراهات موضوعية ومشتركة بين عدد من المؤسسات السجنية، فإن ذلك لا يلغي مبدأ المسؤولية الإدارية داخل كل مؤسسة، وإنما يجعل تقييم الأداء مرتبطاً بمدى حسن توظيف الإمكانات المتاحة والقدرة على ترتيب الأولويات والتعامل مع المشاكل قبل تفاقمها.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بشأن سجن عين السبع لا ينبغي أن يتحول إلى حكم مسبق على المسؤول الأول عن المؤسسة، وإنما إلى سؤال موضوعي حول مستوى التدبير والفعالية والنتائج.
فهل يتعلق الأمر بإكراهات مرتبطة بالإمكانات والظروف العامة للمؤسسة؟ أم أن بعض المظاهر المتداولة تعكس، في جزء منها، اختلالات في طريقة التدبير يمكن الحد منها بقرارات إدارية أكثر نجاعة؟
وإذا تأكد، من خلال تقارير رسمية أو معاينات رقابية، استمرار اختلالات كان من الممكن تفاديها أو الحد منها، فإن النقاش ينتقل تلقائياً من مجرد الحديث عن “صعوبات” إلى سؤال المسؤولية الإدارية، ومدى ملاءمة الإجراءات المتخذة لحجم الإشكالات المطروحة.
لكن المسؤولية في مؤسسة سجنية لا ينبغي اختزالها في شخص المدير وحده، لأن تدبير هذه المؤسسات يرتبط أيضاً بموارد بشرية وإمكانيات لوجستية وقرارات مركزية وأطر قانونية ومساطر أمنية وتنظيمية تتجاوز أحياناً الصلاحيات المباشرة للمسؤول المحلي.
ومن هنا، فإن أي تقييم جدي للوضعية يقتضي التمييز بين ما يدخل ضمن اختصاص إدارة المؤسسة، وما يرتبط بقرارات أو إمكانات تتجاوزها.
كما أن الحديث عن ظروف السجن لا ينبغي أن يتم من زاوية واحدة. فاحترام حقوق النزلاء وتحسين ظروف الإيواء والخدمات يظل جزءاً أساسياً من التدبير السليم، لكن ذلك يتطلب، في المقابل، احترام النزلاء لواجباتهم وقواعد الانضباط داخل المؤسسة.
وبالمثل، فإن الموظفين يعملون في بيئة مهنية شديدة الحساسية، ما يجعل توفير شروط العمل المناسبة لهم جزءاً من أي سياسة ترمي إلى تعزيز الانضباط وتحسين الأداء.
فالمؤسسة السجنية المتوازنة لا تُبنى فقط على الردع، كما لا تُبنى فقط على الخدمات، وإنما على الانضباط واحترام القانون والحقوق والواجبات في آن واحد.
ومن هذا المنطلق، فإن الحسم في الجدل المثار حول سجن عين السبع لا ينبغي أن يترك للروايات المتداولة أو للانطباعات الفردية، وإنما يحتاج إلى تقييم مؤسساتي يستند إلى تقارير المراقبة، والمعطيات الرسمية، ومعاينة ظروف العمل والإيواء والخدمات، والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية.
فالافتحاص الموضوعي، متى تم وفق الضوابط، يمكن أن يجيب عن مجموعة من الأسئلة الأساسية: ما طبيعة الاختلالات الموجودة فعلاً؟ ما أسبابها؟ هل هي مؤقتة أم متكررة؟ ما الإجراءات التي اتخذت لمعالجتها؟ وهل كانت تلك الإجراءات كافية وفعالة؟
وفي حال أظهرت المعطيات وجود أوجه قصور مستمرة كان بالإمكان تداركها، فإن المسؤولية الإدارية تصبح موضوعاً مشروعاً للتقييم والمساءلة، أما إذا ثبت أن الأمر يتعلق أساساً بإكراهات بنيوية تتجاوز صلاحيات الإدارة المحلية، فإن معالجة الوضع تتطلب حينها توفير الإمكانات واتخاذ قرارات على مستويات أخرى.
وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى الطبيعة الخاصة للمؤسسات السجنية، التي لا تتوقف آثار أي خلل فيها عند حدود الجدران، بل يمكن أن تمتد إلى سلامة الموظفين والنزلاء، وإلى الأمن داخل المؤسسة وخارجها، فضلاً عن تأثيرها على برامج التأهيل وإعادة الإدماج.
ولهذا فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون مجرد القدرة على تدبير اليومي، وإنما القدرة على منع تراكم المشاكل، والتعامل السريع مع الاختلالات، والحفاظ على الانضباط، وضمان شروط إنسانية وقانونية سليمة داخل المؤسسة.
وفي النهاية، فإن السؤال المطروح بشأن سجن عين السبع لا ينبغي أن يصاغ بمنطق البحث عن شماعة، وإنما بمنطق تقييم المسؤولية والنتائج: هل تحتاج المؤسسة إلى إمكانات إضافية لمعالجة إكراهاتها، أم أن الأمر يستدعي أيضاً مراجعة وتقييماً لطريقة التدبير؟
فالمنصب الإداري داخل المؤسسة السجنية ليس امتيازاً، وإنما مسؤولية تقاس بمدى احترام القانون، وحسن تدبير الموارد، والقدرة على معالجة الإشكالات، وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
تعليقات الزوار