الناظور.. “معارضة تحت الطلب” تضع قسم الجماعات المحلية أمام أسئلة النفوذ والصفقات السياسية**

هبة زووم – الناظور
في عدد من الجماعات الترابية بإقليم الناظور، يبدو أن مفهوم المعارضة المحلية بدأ يفقد شيئاً من معناه السياسي والرقابي، بعدما تحولت بعض المجالس إلى مشاهد متكررة تختلط فيها المواقف المعلنة بالحسابات الخاصة، ويصبح عدد محدود من المستشارين بمثابة “فريق” للمعارضة، دون أن يكون واضحاً دائماً أين تنتهي الرقابة وتبدأ المساومة.
المعارضة، في الأصل، ليست مجرد مقاعد مقابلة للرئيس، ولا ميكروفوناً يشتغل عند الحاجة إلى تسجيل موقف أمام الرأي العام. وظيفتها الأساسية هي مراقبة التدبير، تفكيك القرارات، مساءلة الرئيس والمكتب، والدفاع عن مصالح السكان. لكن ماذا يحدث عندما تتحول المعارضة إلى حضور موسمي، أو إلى ورقة ضغط تستعمل كلما اقتضت الحسابات السياسية ذلك؟ هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
ففي بعض الجماعات، يطرح المشهد المحلي تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين بعض مكونات المعارضة ورؤساء المجالس، خصوصاً عندما تختفي حدة الخطاب بعد انتهاء الدورة، أو عندما تتحول الخلافات المعلنة إلى تفاهمات غير واضحة خلف الكواليس.
والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض الفرق المعارضة قد تكون محدودة العدد إلى درجة تجعل قدرتها على ممارسة رقابة فعلية محل تساؤل، بينما يختار آخرون الغياب عن الدورات أو الاكتفاء بحضور شكلي، وكأن المعارضة أصبحت في بعض الحالات مجرد وظيفة موسمية تُستدعى عند الحاجة.
أما حين يتعلق الأمر بالمطالب والامتيازات، فتظهر أسئلة أخرى أكثر حساسية: هل تُستعمل بعض الحاجيات الجماعية أو الوسائل اللوجستية أو العضوية في اللجان كأدوات لاستمالة المستشارين؟ وهل توجد حالات جرى فيها تبادل المصالح بعيداً عن أعين المواطنين؟
لا يمكن الجزم بهذه الادعاءات دون وثائق ومعطيات دقيقة، لكن مجرد تداولها محلياً يستدعي من الجهات المختصة التعامل معها بجدية، لأن الشفافية لا تتحقق بالصمت، بل بالكشف عن الحقائق.
والأخطر من ذلك هو احتمال تحول الملفات والمعلومات التي يفترض أن تكون أدوات للرقابة إلى أوراق ضغط شخصية. فإذا كان المستشار يتوفر على معطيات حول اختلالات محتملة، فالمكان الطبيعي لها هو المؤسسات الرقابية والقضاء والجهات المختصة، وليس غرف التفاوض المغلقة، فالمعارضة التي تعرف شيئاً عن اختلال لا تساوم عليه؛ بل تكشفه.
وبالمقابل، فإن الرئيس الذي يدبر الجماعة لا يفترض أن يتعامل مع المعارضة بمنطق توزيع الامتيازات أو شراء الهدوء السياسي، وإنما بمنطق المؤسسات والقانون وتكافؤ الفرص بين جميع المستشارين.
فالجماعة الترابية ليست ملكاً للرئيس، وليست أيضاً منصة تفاوض للمعارضة، إنها مؤسسة عمومية، وميزانيتها أموال عمومية، ومشاريعها يفترض أن توجه وفق حاجيات السكان وأولويات التنمية، لا وفق طبيعة العلاقات السياسية بين أعضاء المجلس.
وهنا تبرز مسؤولية قسم الجماعات المحلية والسلطات الإدارية المختصة في مواكبة عمل المجالس والحرص على احترام القانون، خصوصاً عندما تتكرر مؤشرات التوتر أو تظهر شبهة وجود تفاهمات غير معلنة تؤثر في سير المؤسسات المنتخبة.
كما أن الرأي العام المحلي من حقه أن يعرف: كيف تُتخذ القرارات؟ كيف توزع المسؤوليات والعضويات داخل اللجان؟ ما هي المعايير المعتمدة في الاستفادة من الوسائل الجماعية؟ ومن يراقب استعمال الممتلكات والموارد العمومية؟ وهل يتم التعامل مع المعارضة بمنطق مؤسساتي أم بمنطق التوازنات والترضيات؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الديمقراطية المحلية ليس وجود معارضة ضعيفة فقط، بل تحول المعارضة إلى جزء من منظومة التدبير نفسها دون أن تعلن ذلك للناخبين.
فالمواطن الذي صوت على مستشار باعتباره صوتاً رقابياً داخل المجلس، من حقه أن يعرف ماذا فعل هذا المستشار خلال الولاية: كم سؤالاً طرح؟ كم ملفاً أثاره؟ ماذا عارض؟ ماذا اقترح؟ وما هي الملفات التي دافع عنها؟ وهل ظل موقفه ثابتاً أم تغير كلما تغيرت موازين المصالح؟
أما أن تتحول الدورات إلى مسرح للمواقف النارية، ثم تنتهي الأمور إلى تفاهمات لا يعرف المواطن شيئاً عنها، فذلك يفرغ المعارضة من مضمونها ويجعل العمل الجماعي أقرب إلى لعبة مصالح متبادلة.
في الناظور، المطلوب ليس معارضة تصرخ أكثر، ولا رئيساً يهادن أكثر، وإنما مؤسسات تشتغل تحت الضوء، فالرقابة ليست ابتزازاً، والتوافق ليس صفقة، والمعارضة ليست باباً للامتيازات، والرئاسة ليست شيكاً مفتوحاً لتدبير الولاءات.

وإذا كانت هناك بالفعل جماعات تحولت فيها المعارضة إلى “تحت الطلب”، فإن السؤال الذي يستحق الطرح هو: من يراقب من؟ ومن يحاسب من؟ ومن يدفع في النهاية ثمن هذه اللعبة؟
الجواب يعرفه المواطن جيداً، لأنه الطرف الوحيد الذي لا يملك لا مكتباً جماعياً ولا فريقاً معارضاً ولا أوراقاً في الكواليس… لكنه يملك ورقة واحدة، هي الثقة الانتخابية، ويمكنه أن يسأل يوم الحساب: ماذا فعلتم بالجماعة وبصوتي؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد