“ملفاتنا كانت كتدوز عند لقجع”.. المهاجري يمدح لقجع فيفضح المساطر ويشعل فتيل الأسئلة حول تدبير ملايير الجماعات

هبة زووم – علال الصحراوي
أحياناً يكون أخطر ما يقوله السياسي هو الكلام الذي يقوله وهو يعتقد أنه يقدم شهادة مديح، وهذا تحديداً ما جعل تصريحات البرلماني والقيادي بحزب الأصالة والمعاصرة هشام المهاجري، خلال لقاء حزبي بمدينة أكادير، تخرج من خانة الإشادة بفوزي لقجع إلى مساحة أوسع بكثير: مساحة المال العام، والمساطر، وتكافؤ الفرص، وحدود التداخل بين السياسي والإداري.
المهاجري، وهو يتحدث عن تجربته في الترافع لفائدة الجماعات الترابية، قال إن البرلمانيين كانوا يحملون ملفات المشاريع والشراكات إلى مكتب الوزير المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، من أجل التوقيع والتأشير عليها، بل تحدث عن ملفات كان يتم التأشير عليها في اليوم نفسه.
قد يكون الرجل أراد أن يقدم لقجع باعتباره وزيراً سريع الاستجابة ومنفتحاً على المنتخبين، لكن السياسة لا تُقرأ دائماً بالنوايا، أحياناً، الكلمة التي يراد بها المدح تتحول إلى سؤال محرج، والسؤال هنا ليس: هل لقجع سريع في العمل؟ السؤال هو: لماذا يحتاج ملف مالي لجماعة ترابية إلى برلماني حتى يصل بسرعة إلى مكتب الوزير؟
لا أحد يجادل في حق البرلماني في الترافع عن دائرته، ولا في حق المنتخبين في الدفاع عن مصالح مناطقهم، بل إن الترافع جزء طبيعي من العمل السياسي، لكن الترافع شيء، وتحول البرلماني إلى قناة شبه إلزامية لعبور الملفات المالية شيء آخر.
فحين يقول برلماني إنه يحمل ملفات الجماعات بنفسه إلى مكتب الوزير وينتظر التأشير عليها، بل يحصل أحياناً على ذلك في اليوم ذاته، فإن الرأي العام من حقه أن يسأل: هل جميع رؤساء الجماعات يستطيعون فعل الشيء نفسه؟هل رئيس جماعة صغيرة في منطقة نائية، لا يعرف برلمانياً نافذاً ولا يملك شبكة علاقات سياسية، يستطيع أن يحصل على السرعة نفسها؟ هل ملفه يوضع على المكتب نفسه؟ هل يعالج في المدة نفسها؟ وهل هناك معيار مكتوب يقول إن الملفات التي تصل عبر البرلمانيين تحظى بالأولوية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فالمشكلة أكبر من تصريحات المهاجري، وإذا كانت الإجابة لا، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحاً: لماذا قال المهاجري ما قاله؟
المشكلة الحقيقية ليست في شخص هشام المهاجري، ولا في شخص فوزي لقجع، المشكلة في الفكرة التي قد تخرج بها هذه التصريحات إلى المواطن: أن الوصول إلى الاعتمادات المالية ليس مسألة مسطرة فقط، وإنما قد يكون أيضاً مسألة قدرة على الوصول إلى الشخص المناسب.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لصورة الإدارة العمومية، لأن المال العام ليس مالاً حزبياً، والمشاريع العمومية ليست غنائم انتخابية، والاعتمادات لا ينبغي أن تتحرك وفق قوة هذا المنتخب أو ضعف ذاك.
الجماعة التي صوت لها المواطن في منطقة جبلية أو قرية بعيدة يجب أن تكون لها الحقوق نفسها التي تتمتع بها جماعة توجد في دائرة انتخابية يملك برلمانيوها أبواباً مفتوحة داخل الوزارات، فالدولة لا تُدار بمنطق “نعرف فلانا”، بل تُدار بالقانون والمساطر والاستحقاق.
ومن بين أكثر ما يستوقف في كلام المهاجري حديثه عن التأشير في اليوم نفسه، لأن “اليوم نفسه” في الملفات المالية ليس عبارة عابرة، إنها عبارة تحمل في داخلها سؤالاً عن الآجال والمساطر وترتيب الملفات.
فإذا كان الملف مستوفياً لجميع الشروط القانونية والتقنية والمالية، فلا مشكلة في أن تتم معالجته بسرعة، لكن إذا كانت هناك ملفات أخرى تستوفي الشروط نفسها وتنتظر أسابيع أو أشهر، فإن العدالة الإدارية تقتضي معرفة السبب.
وهنا لا نحتاج إلى حملات سياسية ولا إلى تبادل الاتهامات، نحتاج فقط إلى شيء بسيط: معايير معلنة وشفافة، من يستوفي الشروط يحصل على حقه، ومن لا يستوفيها يعرف سبب الرفض أو التأخير، أما أن يبقى المواطن أمام معادلة غامضة من نوع “احمل الملف إلى الوزير”، فذلك يضرب في الصميم صورة الإدارة المحايدة.
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية، إذا كان البرلماني هو الذي يحمل ملفات الجماعات إلى الوزير، فمن أين يبدأ اختصاص العامل؟ وأين ينتهي دور الإدارة الترابية؟ وما وظيفة المصالح التقنية والمالية؟ وما موقع رؤساء الجماعات ومجالسها؟ هل أصبح البرلماني حلقة ضرورية بين الجماعة والوزارة؟
إذا كان الأمر كذلك، فالأفضل أن يقال ذلك صراحة، أما إذا لم يكن كذلك، فإن تصريحات المهاجري تستوجب توضيحاً حتى لا يفهم المواطن أن الطريق الطبيعي نحو التمويل العمومي يمر عبر “العلاقة السياسية”، فالمؤسسات لا توجد للزينة، والمساطر لم توضع لتعقيد حياة المواطنين، وإنما لضمان أن المال العام لا يخضع للأهواء والعلاقات.
والمفارقة أن الحديث يأتي في سياق حكومي تُرفع فيه شعارات الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتكافؤ الفرص، لكن الحكامة لا تعني فقط محاربة الاختلاس أو مراقبة الصفقات، الحكامة تبدأ من طريقة توزيع الاهتمام والموارد والسرعة الإدارية نفسها.
فإذا كانت جماعة تحتاج إلى سنة كاملة لتسوية ملف، بينما تستطيع جماعة أخرى تحريك ملفها في يوم واحد بفضل تدخل سياسي، فحتى لو لم يكن هناك خرق قانوني، فإن السؤال الأخلاقي والسياسي يظل قائماً: هل نحن أمام إدارة واحدة أم أمام إدارات متعددة بحسب قوة من يطرق الباب؟
وفي خضم هذا السجال، سيكون من المثير معرفة موقف حزب العدالة والتنمية، فعبد الله بوانو، الذي جعل من ملفات المال العام والحكامة والصفقات والإنفاق العمومي جزءاً ثابتاً من خطابه السياسي والبرلماني، أمام فرصة واضحة لطرح السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما تحدث عنه المهاجري ممارسة عادية؟ وهل جميع البرلمانيين يمارسون الترافع بالطريقة نفسها؟ وهل ملفات الجماعات التي لا تتوفر على “برلماني حامل للملف” تحظى بالسرعة ذاتها؟
والأهم: هل سبق لبرلمانيي العدالة والتنمية أن سلكوا المسار نفسه؟ لا أحد يقول إنهم فعلوا ذلك، ولا يجوز تحويل السؤال إلى اتهام، لكن إذا كان “المصباح” يريد أن يحافظ على صورته كحزب يراقب المال العام، فإن الصمت هنا لن يكون أفضل إجابة.
المطلوب اليوم ليس محاكمة تصريح سياسي، ولا تحويل لقاء حزبي إلى محكمة، المطلوب أبسط من ذلك بكثير: توضيح، ما طبيعة الملفات التي تحدث عنها المهاجري؟ هل كانت ملفات شراكات تستوفي جميع الشروط؟ ما المسطرة المعتمدة للتأشير؟ هل للبرلماني أي دور رسمي في تقديم هذه الملفات؟ وهل تستفيد جميع الجماعات من الآجال نفسها؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خطب، تحتاج إلى وثائق ومساطر منشورة وبيانات واضحة، لأن أخطر شيء في المال العام ليس فقط أن يُسرق، الأخطر أن يشعر المواطن أن الوصول إليه يحتاج إلى “واسطة سياسية”.
وإذا كان تصريح المهاجري مجرد إشادة عفوية بوزير سريع العمل، فليكن ذلك واضحاً، أما إذا كان قد كشف، دون قصد، عن طريقة خاصة في تمرير الملفات، فإن الأمر يستحق أكثر من تصفيق حزبي عابر، لأن البرلماني ليس “آمراً بالصرف”، والوزير ليس مكتباً خلفياً للمنتخبين، والجماعات ليست شركات خاصة، والمال العام ليس ملكاً لمن يملك رقم الهاتف الصحيح.
ففي دولة المؤسسات، لا ينبغي أن يكون السؤال: من سيحمل الملف إلى الوزير؟ بل: هل الملف مستوفٍ للشروط أم لا؟ وإذا كان مستوفياً، فليمر، وإذا لم يكن، فليُرفض، أما أن يصبح الوصول إلى المال العام سباقاً في العلاقات والنفوذ، فحينها لا تعود المشكلة في سرعة الوزير.. بل في بطء المؤسسات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد