هبة زووم – الرباط
بعد ساعات قليلة من إعلان عبد الإله بنكيران رفضه المبدئي مشاركة حزب العدالة والتنمية في أي حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، جاءت فاطمة الزهراء المنصوري برسالة سياسية مختلفة تماماً من مقر البام بالرباط: لا خطوط حمراء في التحالفات الحكومية المقبلة.
المنسقة العامة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة لم تغلق الباب أمام أي حزب، بل أكدت أن «الجرار» يحترم جميع الأحزاب التي تحترم ثوابت المملكة، وأن الحزب لم يبدأ بعد نقاشاً داخلياً حول التحالفات.
والأهم أنها قالت بوضوح إن الحاسم في المفاوضات المقبلة سيكون البرامج، مؤكدة أن الحزب سيجلس مع مختلف الأحزاب ويتشاور معها بشأن المحطات الكبرى التي تنتظر البلاد.
رسالة المنصوري تبدو، في ظاهرها، شديدة الوضوح: لا فيتو مسبق على أحد، ولا استبعاد آلي لأي حزب، لكن المفارقة السياسية تبدأ هنا.
ففي الوقت الذي تقول فيه قيادة «البام» إن أبواب التفاوض مفتوحة أمام الجميع، يخرج بنكيران ليعلن أن حزبه لا يريد دخول حكومة يقودها الحزب نفسه، بل يتحدث عن الاستعداد للعمل من أجل إسقاطها والدعوة إلى انتخابات جديدة، وبذلك، فإن الكرة ليست كلها في ملعب «البام».
فالتحالف الحكومي لا يبنى بإرادة طرف واحد، وإنما يحتاج إلى تقاطع سياسي وبرنامجي بين عدة أحزاب. وإذا كان «البام» يقول إنه لا يضع خطوطاً حمراء، فإن السؤال المقابل هو: هل يملك العدالة والتنمية الاستعداد لتجاوز موقف بنكيران؟ وهنا تبرز نقطة أخرى أكثر أهمية: ماذا يعني عملياً أن تكون البرامج هي الفيصل؟
إذا كان المقصود هو الانتقال من منطق توزيع الحقائب إلى منطق التعاقد حول الأولويات، فإن المفاوضات المقبلة ستكون أمام اختبار حقيقي. فالبرامج الانتخابية لا تتحدث فقط عن شعارات عامة، وإنما عن القدرة الشرائية، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والاستثمار، والإصلاح الإداري، وغيرها من الملفات التي تحتاج إلى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ.
وعليه، فإن السؤال لن يكون فقط: من سيدخل الحكومة؟ بل أيضاً: بأي برنامج؟ وبأي شروط؟ وبأي التزامات؟ وكيف سيحاسب المواطن هذه الأغلبية إذا لم تنفذ ما وعدت به؟
أما حديث المنصوري عن العزوف الانتخابي، فقد حمل بدوره رسالة إلى الأحزاب السياسية، بعدما أقرت بأن هاجس ضعف المشاركة كان مشتركاً بين مختلف الفاعلين.
وربطت المنصوري هذا العزوف بما وصفته بـ”شيطنة” بعض الأحزاب للعمل السياسي، داعية إلى إعادة الاعتبار لدور الأحزاب في تأطير الشباب وإشراكهم في الحياة السياسية، غير أن تحميل العزوف السياسي فقط لعامل «شيطنة الأحزاب» قد لا يكون كافياً لتفسير الظاهرة.
فالعزوف، في نهاية المطاف، يرتبط أيضاً بمدى اقتناع المواطن بأن صوته قادر على إحداث تغيير ملموس، وبمدى تطابق الخطاب الانتخابي مع ما يراه في حياته اليومية، وبالثقة في المؤسسات والأحزاب والوعود التي تقدمها خلال الحملات.
وهنا تتحمل الأحزاب جميعها جزءاً من المسؤولية السياسية، سواء كانت في الحكومة أو المعارضة، فالشاب الذي يسمع وعوداً انتخابية ثم لا يرى أثراً لها، أو المواطن الذي ينتظر تحسناً في الخدمات والقدرة الشرائية وفرص الشغل، لن تقنعه بالضرورة دعوات عامة للمشاركة السياسية.
الثقة لا تُطلب فقط.. بل تُبنى بالممارسة، وإذا كان البام قد تصدر نتائج الانتخابات وأصبح أمام مهمة تشكيل أغلبية حكومية، فإن عبارة “لا خطوط حمراء” تضع الحزب أمام مسؤولية إضافية: أن يشرح للرأي العام ليس فقط مع من سيتحالف، وإنما لماذا سيتحالف، وعلى أي أساس، وما الذي سيقدمه هذا التحالف للمغاربة.
أما “العدالة والتنمية”، الذي أعلن بنكيران رفضه المبدئي لحكومة يقودها «البام»، فسيكون بدوره أمام اختبار سياسي: هل سيبقى هذا الرفض موقفاً نهائياً، أم أن المؤسسات الحزبية ستناقش خيارات أخرى عندما يبدأ التفاوض فعلياً؟
في السياسة، الأبواب المفتوحة لا تعني بالضرورة أن الجميع سيدخلون، لكنها تعني أن التحالفات المقبلة لم تُحسم بعد.
وما بين “لا خطوط حمراء” التي أعلنتها المنصوري و”لا مشاركة” التي أعلنها بنكيران، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على مفاوضات سياسية قد تعيد رسم خريطة الحكومة، ليس فقط من حيث عدد الأحزاب المشاركة، وإنما من حيث البرامج والالتزامات التي ستحدد شكل الأغلبية المقبلة.
الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الأحزاب التي ستجلس إلى طاولة المفاوضات، بل في ما سيخرج من تلك الطاولة إلى حياة المغاربة.
تعليقات الزوار