الانتخابات صدّقت حدس اليحياوي.. البام والأحرار والاستقلال في المقدمة فهل نحن أمام إعادة إنتاج للمشهد؟

هبة زووم – الرباط
لم تنتظر النتائج طويلاً حتى أعادت إلى الواجهة تدوينة الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، الذي اختار، قبل إعلان نتائج الانتخابات التشريعية، أن يضع سيناريو واضحاً لما قد تؤول إليه صناديق الاقتراع، متوقعاً أن تظل الصدارة إلى حد كبير في يد الأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية الحكومية خلال الولاية المنتهية: الأصالة والمعاصرة، التجمع الوطني للأحرار والاستقلال.
وبعد إعلان وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت النتائج المؤقتة، جاءت الأرقام لتضع هذه الأحزاب الثلاثة في المراتب الأولى: 97 مقعداً لـ«البام»، و66 للأحرار، و65 للاستقلال.
وهنا بالضبط تستعيد تدوينة اليحياوي قوتها السياسية، ليس لأنها تثبت أن الانتخابات كانت “مرتبة ومحبوكة” كما ذهب في قراءته، فهذا استنتاج يحتاج إلى أدلة مستقلة، وإنما لأنها تفتح سؤالاً أكثر إزعاجاً: إلى أي حد استطاعت انتخابات 23 شتنبر تغيير قواعد اللعبة السياسية، وليس فقط إعادة توزيع المقاعد داخل القوى نفسها؟
اليحياوي لم يكتف بقراءة الأرقام، بل ذهب إلى ما هو أبعد، معتبراً أن بقاء الفاعلين أنفسهم في مقدمة المشهد يعني، وفق تصوره، احتمال استمرار كثير من السلوكيات والممارسات التي كانت موضوع انتقاد خلال الولاية السابقة.
وكتب، في تدوينته، أن “الفارق هذه المرة” سيكون أن تلك السلوكيات ستستند إلى ما وصفه بـ”شرعية” انتخابات 23 شتنبر، محذراً من ولاية قد تستمر فيها، حسب تعبيره، حالة من التدافع السياسي المحدود: “نحن ننتقد، وهم يقررون وينفذون دوناً عنا”.
لكن الأرقام، مهما كانت دلالتها، لا تجيب وحدها عن سؤال أعمق: هل تغيرت الخريطة السياسية فعلاً، أم تغيرت فقط موازين القوة داخل المعسكر نفسه؟
فإذا كان البام قد انتقل إلى صدارة النتائج المؤقتة، فيما حل الحزبان الآخران في المرتبتين الثانية والثالثة، فإن المشهد الجديد لا يعني تلقائياً استمرار الحكومة السابقة بالشكل نفسه، ولا يثبت وحده أن “الأمور كانت مرتبة أو محبوكة”، تشكيل الحكومة المقبلة سيظل رهيناً بالمفاوضات والتحالفات والاختيارات السياسية التي ستلي إعلان النتائج النهائية.
غير أن المفارقة التي تستحق التوقف عندها هي أن أحزاب الأغلبية السابقة نفسها احتلت المراتب الثلاث الأولى، وهو ما يمنح قراءة اليحياوي مادة سياسية قوية لإعادة طرح سؤال التغيير الذي كانت الانتخابات تعد به.
فالمواطن لم يذهب إلى صناديق الاقتراع فقط لإعادة ترتيب المقاعد، وإنما كان ينتظر أيضاً أجوبة عن الأسعار، والصحة، والتعليم، والتشغيل، والعدالة المجالية، ومحاربة الفساد، وتحسين الإدارة والخدمات العمومية.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يبدأ عند إعلان النتائج، بل بعدها، فالأحزاب التي ستشارك في الحكومة المقبلة، أياً كان شكل التحالف الذي سيجمعها، ستكون مطالبة بتقديم حصيلة قابلة للقياس، لا الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الانتخابي.
أما المعارضة، إن كانت ستضم قوى خارج دائرة الحكم، فستكون مطالبة بدورها بالخروج من دور المتفرج والانتقال إلى معارضة قادرة على مراقبة السياسات العمومية ومساءلة الحكومة واقتراح البدائل.
ولهذا تبدو عبارة اليحياوي حول “التدافعات الصفرية” جديرة بالنقاش، لأنها تضع أمام الطبقة السياسية سؤالاً جوهرياً: هل ستتحول المؤسسات المنتخبة إلى فضاء حقيقي للتنافس حول البرامج والسياسات، أم سنعود إلى مشهد تتغير فيه المواقع بينما تبقى قواعد الاشتغال السياسي على حالها؟
كما أن حديثه عن “الفكر الواحد والرأي الواحد والتصور الواحد” ينبغي التعامل معه باعتباره تحذيراً سياسياً وتحليلاً نقدياً، لا حكماً مسبقاً على الولاية المقبلة.
فالنتائج الانتخابية تمنح الأحزاب شرعية التمثيل، لكنها لا تمنحها شيكاً على بياض، والشرعية الانتخابية لا تعني نهاية المساءلة، بل بدايتها.
المواطن الذي منح صوته ينتظر أن يرى أثر ذلك الصوت في حياته اليومية، والبرلمان الذي تشكل من هذه النتائج سيكون أمام امتحان الرقابة والتشريع، فيما ستكون الحكومة المقبلة أمام امتحان التنفيذ والحصيلة.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأكثر دلالة الذي تركه اليحياوي مفتوحاً هو: هل حان الوقت فعلاً للخروج من «اللعبة الصفرية»؟
فالانتخابات قد أعادت ترتيب المقاعد، لكن التاريخ السياسي للولاية المقبلة سيتحدد بما إذا كانت ستعيد أيضاً ترتيب العلاقة بين السلطة والمعارضة، وبين الوعود والحصيلة، وبين الناخب ومن انتخبهم، الأرقام قالت كلمتها.. الآن يبدأ امتحان الأفعال.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد