هبة زووم – الرباط
يوم بعد يوم، يكتشف الجميع كم كانت بشرى كربوبي قيمة استثنائية في تاريخ التحكيم النسوي المغربي والإفريقي، ليس فقط لأنها حملت الصافرة في مباريات الفئات السنية، وإنما لأنها نجحت في تجاوز الحواجز التي كانت لسنوات تبدو عصية على الحكمات، وفرضت حضورها حتى في مباريات كرة القدم الرجالية وعلى مستوى المسابقات الكبرى.
اليوم، ومع اقتراب تنظيم المغرب لمونديال الناشئات، تطفو إلى السطح صورة مقلقة للتحكيم النسوي، بعدما خلت القائمة المتداولة للحكمات المشاركات من أي اسم مغربي، في وقت حضرت فيه أربع حكمات من شمال إفريقيا.
القائمة تضم الجزائرية غادة محاط والمصرية شاهندة سعد، إلى جانب حكمتي الشرط الجزائرية أسماء وهاب والتونسية هدى عفين، وفق المعطيات المتداولة.
لكن المفارقة التي تثير الجدل أكثر، بحسب المعطيات نفسها، أن الحكمات الأربع واجهن صعوبات خلال الاختبارات البدنية المعتمدة من طرف “فيفا”، وسط حديث عن عدم اجتيازهن الاختبار، وهو ما يطرح سؤالاً مباشراً حول معايير الاختيار والاستعداد البدني للحكمات المشاركات في مثل هذه الاستحقاقات.
ومع ذلك، فإن السؤال الأكبر بالنسبة للمغرب لا يتعلق فقط بمن حضر، وإنما بمن غاب، فكيف يعقل أن يستضيف المغرب بطولة عالمية للفتيات، في وقت لا تجد فيه الحكمة المغربية موطئ قدم داخل قائمة التحكيم الخاصة بالمسابقة؟
هنا بالضبط يعود اسم بشرى كربوبي إلى الواجهة، ليس من باب الحنين إلى الماضي، وإنما باعتبارها نموذجاً يكشف أن المغرب سبق أن امتلك حكمة استطاعت الوصول إلى مستويات عالية جداً، وفرضت نفسها بأدائها وانضباطها وقدرتها البدنية والفنية، حتى أصبحت حاضرة في مباريات الرجال وفي مسابقات كبرى على الصعيدين القاري والدولي.
كربوبي لم تكن مجرد حالة عابرة في التحكيم المغربي؛ مسارها أظهر أن الحكمة المغربية قادرة على المنافسة عندما تتوفر لها منظومة تتيح التكوين والتدرج والاستمرارية والاحتكاك بالمستويات العليا.
لكن السؤال اليوم: ماذا بعد كربوبي؟ هل استطاعت منظومة التحكيم المغربية أن تصنع جيلاً جديداً من الحكمات القادرات على حمل المشعل؟ أم أن الخزان بدأ فعلاً يعرف حالة من الجفاف؟
المفارقة أن النقاش لا يمكن أن يتوقف عند بشرى كربوبي وحدها، فاعتزال بشرى كان محطة، لكن استمرار المشروع كان يفترض أن يكون أولوية، خصوصاً أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة تجربة مهمة في تطوير التحكيم النسوي.
والأكثر إثارة للانتباه هو ما يثار حول الحكمة خولة المرابط، التي كانت من الأسماء الصاعدة في هذا المجال، قبل أن تجد نفسها، بحسب ما يروج في الأوساط الرياضية، أمام عراقيل وصعوبات أثرت على مسارها.
وهنا لا بد من التفريق بين الانتقاد والاتهام: إذا كانت هناك فعلاً ممارسات أو قرارات حالت دون تطور مسار أي حكمة، فإن الأمر يحتاج إلى توضيح مؤسساتي، لأن مستقبل التحكيم لا يمكن أن يبنى بمنطق العلاقات أو الحسابات الشخصية، وإنما بالكفاءة والاستحقاق والنتائج.
المشكلة إذن ليست في غياب اسم مغربي عن قائمة واحدة فقط، وإنما في السؤال الذي تفرضه هذه الواقعة: هل نملك اليوم استراتيجية حقيقية لصناعة الحكمات، أم أننا كنا نعيش على استثناءات فردية من طينة بشرى كربوبي؟
المغرب الذي يستضيف كأس العالم للناشئات، والذي راكم حضوراً لافتاً في كرة القدم النسوية، يحتاج أيضاً إلى تحكيم نسوي قادر على تمثيله في أكبر المحافل.
فالموهبة وحدها لا تكفي، والاعتراف بالإنجازات السابقة لا يكفي، والحديث عن تطوير التحكيم لا يكفي، المطلوب هو صناعة الاستمرارية، لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث لأي منظومة رياضية هو أن تنتظر ظهور “كربوبي” جديدة، بدل أن تصنع عشرات الحكمات القادرات على المنافسة، ثم تترك الأفضل منهن يصلن إلى القمة.
وفي النهاية، قد تكون هذه القائمة مجرد محطة عابرة، لكن غياب المغربيات عن مونديال الناشئات يجب أن يكون مناسبة لطرح الأسئلة الصعبة داخل منظومة التحكيم: أين يبدأ الخلل؟ في التكوين؟ في الاختبارات؟ في فرص المشاركة؟ في تدبير المسار؟ أم في غياب رؤية واضحة لصناعة جيل جديد من الحكمات؟ لأن قيمة الأسطورة لا تظهر فقط عندما تكون في الملعب، وإنما تظهر أكثر عندما يصبح غيابها كاشفاً لفراغ لم تنجح المنظومة في ملئه.
تعليقات الزوار