من الجرار إلى الميزان.. هل حسمت حسابات المقعد البرلماني اتجاهات السياسيين بجهة درعة تافيلالت؟

هبة زووم – تنغير
يبدو أن موسم الانتخابات بجهة درعة تافيلالت لا يختبر فقط قدرة الأحزاب على استقطاب الناخبين، بل يضع أيضاً مفهوم الولاء الحزبي أمام امتحان صعب، بعدما عادت ظاهرة الانتقال من حزب إلى آخر لتفرض نفسها بقوة على المشهد السياسي المحلي، في سياق يبدو فيه أن حسابات التزكية والترشح قد تتقدم أحياناً على الاعتبارات التنظيمية والمرجعيات السياسية.
وفي هذا السياق، يثير انتقال عضو نافذ بمجلس جهة درعة تافيلالت من حزب الأصالة والمعاصرة إلى حزب الاستقلال جدلاً سياسياً داخل الأوساط المحلية، خصوصاً أن الخطوة جاءت، وفق المعطيات المتداولة، في أعقاب تعثر مسار حصوله على تزكية حزب «الجرار» لخوض الاستحقاق التشريعي عن دائرة إقليم تنغير.
وإذا كانت الاستقالة أو تغيير الانتماء الحزبي حقاً سياسياً وتنظيمياً مكفولاً، فإن توقيتها وسياقها يفتحان الباب أمام أسئلة أكبر من مجرد تغيير في بطاقة الانخراط: هل يتعلق الأمر بتحول في القناعة السياسية، أم بإعادة تموقع فرضتها حسابات الترشيح والتزكية؟
السؤال لا يستهدف شخصاً بعينه بقدر ما يسلط الضوء على ظاهرة أصبحت مألوفة في عدد من الدوائر الانتخابية، حيث تتحول التزكية من مجرد قرار تنظيمي إلى ما يشبه جواز عبور سياسي، قادر على إعادة رسم الخريطة الحزبية في ظرف قياسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمقاعد برلمانية تحظى بتنافس قوي.
وفي حالة تنغير، تزداد حساسية الموضوع بالنظر إلى طبيعة المشهد الانتخابي المحلي، وتشابك الاعتبارات الحزبية مع الرصيد الانتخابي والعلاقات الاجتماعية والامتدادات المحلية. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل الأحزاب تختار مرشحيها بناء على مشاريع سياسية وبرامج ومعايير واضحة، أم أن معيار القدرة على الحشد الانتخابي يظل هو المحدد الأبرز؟
الأخطر من ذلك أن ظاهرة الترحال، عندما تصبح مرتبطة حصراً بمسار التزكيات، قد تضعف المعنى الحقيقي للانتماء الحزبي. فالحزب السياسي يفترض أن يكون فضاءً لتكوين النخب وتأطير المواطنين والدفاع عن مشروع مجتمعي وسياسي، لا مجرد منصة مؤقتة للحصول على بطاقة ترشيح.
كما أن مسؤولية الأحزاب نفسها تظل مطروحة بقوة. فإذا كان تغيير الانتماء حقاً فردياً، فإن طريقة تدبير التزكيات ومعايير اختيار المرشحين مسؤولية تنظيمية وسياسية لا يمكن القفز عليها. وكلما غابت المعايير الواضحة والشفافة، كلما اتسعت مساحة التأويلات، وبرزت الاتهامات المتعلقة بالولاءات الشخصية، وشبكات النفوذ، والحسابات الانتخابية الضيقة.
وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى مساءلة الأحزاب: ما هي المعايير التي تعتمدها في اختيار مرشحيها؟ وما الذي يجعل مناضلاً يحظى بثقة التنظيم في مرحلة، ثم يصبح خارج حساباته في مرحلة أخرى؟ وهل يتم تقييم المرشحين على أساس أدائهم السياسي والحزبي وحضورهم الميداني، أم وفق حسابات انتخابية ظرفية؟
أما المواطن التنغيري، فليس مجرد رقم في معادلة انتخابية، ولا مجرد كتلة أصوات تنتقل معها الحسابات من حزب إلى آخر. فهو في نهاية المطاف صاحب القرار في صندوق الاقتراع، ومن حقه أن يعرف من يمثل ماذا، ولماذا انتقل هذا المرشح من هذا الحزب إلى ذاك، وما المشروع السياسي الذي يحمله معه؟
فالترحال السياسي في حد ذاته ليس هو المشكلة، وإنما المشكلة تبدأ عندما يصبح المقعد هو الثابت والحزب هو المتغير، وعندما تتحول المرجعيات والمبادئ والبرامج إلى تفاصيل ثانوية أمام إغراء التزكية وفرصة الوصول إلى البرلمان.
وفي النهاية، لا يمكن اختزال الانتخابات في معركة للحصول على التزكية، ولا اختزال الأحزاب في خزانات للمرشحين خلال المواسم الانتخابية. فالمؤسسة التشريعية ليست محطة لإعادة تدوير النخب، والمقعد البرلماني ليس مكافأة تنظيمية، وإنما تفويض من الناخبين.
ومن هنا، فإن ما يجري في تنغير يستحق أكثر من مجرد تسجيل انتقال حزبي جديد؛ إنه مناسبة لإعادة طرح سؤال أعمق: هل نحن أمام تنافس حقيقي بين مشاريع سياسية، أم أمام سباق محموم نحو التزكيات، تتغير خلاله الألوان الحزبية بينما تبقى الحسابات الانتخابية هي الثابت الوحيد؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد