هبة زووم – الرباط
يواصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تفاعله مع النقاش السياسي المتزامن مع الاستحقاقات التشريعية المقبلة، واضعاً هذه المرة سؤالاً أكثر جذرية أمام العملية الانتخابية برمتها: هل يكفي تغيير الوجوه والأحزاب داخل المؤسسات المنتخبة، إذا كانت القرارات الكبرى، وفق قراءته، محددة سلفاً ولا تترك مجالاً واسعاً للاجتهاد السياسي؟
وفي تدوينة جديدة، يذهب اليحياوي إلى أن اختلاف أشكال المشاركة في الاقتراع، من التصويت بكثافة إلى التحفظ أو التصويت بورقة بيضاء وصولاً إلى المقاطعة، لن يؤدي ـ بحسب تصوره ـ إلى تغيير جوهري في مخرجات المشهد السياسي، معتبراً أن النتيجة ستفضي في نهاية المطاف إلى حضور الأحزاب والوجوه نفسها، وبالمواصفات ذاتها.
ويضع الباحث الجامعي سيناريو تشكيل الأغلبية الحكومية في قلب انتقاده، معتبراً أن الأحزاب التي تبدو اليوم في حالة صراع وتنافس أمام الناخبين قد تجد نفسها، بعد إعلان النتائج، أمام منطق مختلف تحكمه حسابات تشكيل الأغلبية وتوزيع المسؤوليات.
ويختصر اليحياوي هذا التحول بتعبير لافت، حين يتحدث عن انتقال الخصوم السياسيين من حالة الصراع الانتخابي إلى حالة “سمٍّ على عسل” عند توزيع ما يسميه “الغنيمة”، قبل أن تتشكل الحكومة وتنتقل إلى مرحلة تنفيذ السياسات العمومية.
والأكثر إثارة في قراءة اليحياوي هو تشكيكه في حجم هامش المناورة الذي تملكه الحكومات والبرلمانات، إذ يرى أن جزءاً من السياسات التي يجري تنفيذها لا يكون بالضرورة وارداً في البرامج الانتخابية للأحزاب أو ضمن الوعود التي قدمتها للناخبين، وإنما تكون، حسب تعبيره، “مهيأة وتنتظر التفعيل فقط”.
ومن هنا يصف الباحث الوضع بأنه “حلقة مفرغة”، تقوم ـ وفق قراءته ـ على ثبات القرار مقابل تغير الأشخاص الذين يتولون مهمة تنفيذه، سواء كانوا نواباً أو وزراء، معتبراً أن مساحة الاجتهاد السياسي تضيق عندما تصبح الاختيارات الكبرى محسومة مسبقاً.
ويستند اليحياوي في الجزء الأخير من تدوينته إلى مفاهيم التداول والاجتهاد والجماعة، لينتقل من نقد الممارسة الانتخابية إلى طرح سؤال أوسع يتعلق بطبيعة السلطة السياسية نفسها، منتقداً ما يراه غياباً لمبدأ التداول عندما تتحول السلطة إلى ما وصفه بـ«غنيمة حرب».
وتضع هذه القراءة، بما تحمله من موقف سياسي وفكري خاص بصاحبها، سؤالاً يتجاوز موعد الاقتراع نفسه: ما القيمة الفعلية للتنافس الانتخابي إذا كانت الأحزاب مطالبة بإقناع الناخبين ببرامج مختلفة، ثم تجد نفسها بعد إعلان النتائج أمام ائتلافات وتسويات قد تعيد ترتيب الأولويات؟
وبعيداً عن الحسم في أطروحة اليحياوي، يبقى السؤال الديمقراطي مطروحاً للنقاش: هل الانتخابات مجرد آلية لإعادة توزيع المقاعد والمناصب، أم أنها يفترض أن تكون وسيلة فعلية لتغيير السياسات والاختيارات العمومية عبر صناديق الاقتراع؟
فبين “التداول” الذي يستحضره اليحياوي، وبين منطق التحالفات وتشكيل الحكومات الذي تفرضه نتائج الانتخابات، تبدو المسافة بين وعود الحملة الانتخابية وممارسة السلطة بعد الاقتراع واحدة من أكثر القضايا التي تستحق النقاش والمساءلة.
تعليقات الزوار