هبة زووم – الرباط
عاد الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري إلى واجهة الجدل السياسي، من خلال تدوينة جديدة اختار فيها الرد بقوة على الخرجة الأخيرة للكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إدريس لشكر، خصوصاً بشأن حديث هذا الأخير عن ما يسميه «القوى المحافظة» وموقفه من التحالف مع حزب العدالة والتنمية بعد الانتخابات.
الكنبوري لم يكتفِ بالاختلاف مع لشكر حول توصيف المشهد السياسي، بل ذهب إلى طرح قراءة أكثر حدة، معتبراً أن التصنيفات السياسية التي ما تزال تستعملها بعض القيادات الحزبية لم تعد، في نظره، قادرة على تفسير واقع المغرب اليوم.
وقال الكنبوري إن لشكر “ما يزال يتحدث عن القوى المحافظة ويرفض التحالف مع حزب العدالة والتنمية بعد الانتخابات”، معتبراً أن هذا الخطاب يعكس، بحسب تعبيره، عدم إدراك للتحولات التي طرأت على المشهد السياسي المغربي.
وأضاف أن التصنيف الذي يرى أنه أصبح أكثر دلالة هو التمييز بين “القوى المفسدة والقوى المصلحة”، قبل أن يذهب أبعد من ذلك بالقول إن “جميع القوى ماتت”، مستحضراً القوى الوطنية والديمقراطية والعمالية، قبل أن يضيف ساخراً: “ما عدا ألعاب القوى”.
السخرية هنا ليست مجرد تلاعب لغوي، وإنما جزء من هجوم سياسي أوسع على ما يعتبره الكنبوري استمراراً لقيادات وأطر سياسية في الواجهة رغم تغير السياق الاجتماعي والسياسي.
وفي هذا السياق، قال إن هناك سياسيين “انتهت مدة صلاحيتهم منذ عقود”، لكنهم، وفق تعبيره، ما زالوا “يملأون الواجهة ويبتسمون من خلف الزجاج”.
وانتقل الكنبوري إلى نقطة أكثر تحديداً، مرتبطة بمفهوم «القوى المحافظة»، معتبراً أن ربط هذا المفهوم بموقف رافض للمساواة بين الرجل والمرأة يعكس، بحسب رأيه، استمرار التفكير بمنطق سياسي تجاوزه الزمن.
وقال إن “القوى المحافظة” بالنسبة إلى لشكر هي التي ترفض المساواة بين الرجل والمرأة، مضيفاً أن هذا الطرح، في نظره، لا ينسجم مع التحولات التي عرفها المجتمع المغربي.
واستحضر الباحث خطاباً ملكياً حول رفض مغرب يسير بسرعتين، ليبني عليه قراءة اجتماعية مختلفة، قائلاً إن القضية لا ينبغي أن تتوقف عند الحديث عن سرعتين للمغرب، بل يجب أن تمتد إلى الأسرة نفسها، حتى لا تصبح هناك “سرعة الرجل وسرعة المرأة”.
وبلغة شديدة النقد، اعتبر الكنبوري أن الجميع “يمشي بنفس السرعة فوق الجمر”، محملاً مسؤولية ذلك، وفق رؤيته، لما وصفها بـ”الطغمة السياسية التي لا تريد أن تموت”.
التدوينة تفتح، في جوهرها، نقاشاً يتجاوز السجال بين الكنبوري ولشكر، ويتعلق بالمعايير التي ينبغي أن يُقاس بها الأداء السياسي في المغرب.
فهل ما تزال الثنائية بين “محافظ” و”حداثي” أو “يساري” و”إسلامي” كافية لتفسير الخلافات السياسية والاجتماعية؟ أم أن أسئلة الحكامة والنزاهة والفعالية والقدرة على الاستجابة للمشاكل اليومية للمواطنين أصبحت أكثر إلحاحاً من التصنيفات الإيديولوجية التقليدية؟
وفي المقابل، فإن الانتقال من التصنيف الإيديولوجي إلى الحديث عن “الإفساد” و”الإصلاح” يحتاج بدوره إلى معايير واضحة وقابلة للقياس، حتى لا تتحول هذه المفاهيم إلى مجرد شعارات جديدة في معركة سياسية قديمة.
وهنا تكمن المفارقة التي تطرحها تدوينة الكنبوري: إذا كانت مرحلة التصنيفات السياسية القديمة قد انتهت، فما الذي ينبغي أن يحل محلها؟
المواطن لا يهمه فقط إن كان السياسي محافظاً أو تقدمياً أو يسارياً أو إسلامياً، بقدر ما يهمه ما الذي قدمه، وكيف دبر المسؤولية، وما الذي تغير في حياته نتيجة السياسات العمومية.
وبين خطاب “القوى المحافظة” وخطاب “القوى المفسدة والمصلحة”، يبدو أن النقاش الحقيقي الذي يفرض نفسه هو: هل تستطيع الطبقة السياسية المغربية إنتاج خطاب جديد يركز على الحصيلة والمسؤولية والنجاعة، بدل الاستمرار في استدعاء التصنيفات التي تنتمي إلى معارك سياسية سابقة؟
تعليقات الزوار