اليحياوي: المغاربة لا يرفضون الفساد بل يشعرون أنهم مستبعدون من غنائمه

هبة زووم – الرباط
في تدوينة حادة ومشحونة بأسئلة صادمة، عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى أحد أكثر الملفات حساسية في المغرب، وهو ملف الفساد والريع وتداخل المصالح، مقدما قراءة نقدية تتجاوز الإدانة التقليدية للفساد لتلامس ما يعتبره تحولا أخطر يهدد بنية المجتمع نفسه، حين يصبح الفساد ثقافة جماعية لا مجرد ممارسات معزولة.
اليحياوي استهل تدوينته بتعليق لأحد متابعيه مفاده أن المغاربة لا يعارضون الفساد لأنه يضرهم، بل لأنهم لا يحصلون على نصيبهم منه، وهي الفكرة التي تعامل معها بوصفها مدخلا لتشريح واقع أكثر تعقيدا من مجرد الحديث عن الرشوة أو استغلال النفوذ أو تبديد المال العام.
ومن خلال سلسلة من الأسئلة الاستنكارية، رسم الأستاذ الجامعي صورة قاتمة لمجتمع بات جزء منه ينظر إلى الفساد باعتباره وسيلة للترقي الاجتماعي والاغتناء السريع، أكثر مما ينظر إليه كظاهرة تهدد العدالة وتكافؤ الفرص، فلو كان المواطن، بحسب منطقه الجدلي، من المستفيدين من دعم استيراد المواشي أو من أصحاب الامتيازات الاقتصادية أو الرخص الريعية أو مواقع النفوذ، فهل كان سيرفع الصوت ضد تلك الامتيازات أم سيدافع عنها باعتبارها حقا مكتسبا؟
ويحاول اليحياوي من خلال هذه المقاربة تفكيك ما يعتبره أحد أخطر مظاهر الأزمة الأخلاقية والسياسية، والمتمثل في تحول الفساد من سلوك مرفوض إلى حلم اجتماعي يتطلع إليه البعض، لا بهدف القضاء عليه بل بهدف الالتحاق بدائرة المستفيدين منه.
وفي انتقاد مبطن للمنظومة التي تفرز الريع وتعيد إنتاجه، يرى أن النقاش العمومي غالبا ما ينحصر في أسماء المستفيدين من الامتيازات، بينما يغيب النقاش حول الآليات التي تسمح أصلا بتراكم هذه الامتيازات واستمرارها.
فالمشكلة، في نظره، ليست فقط في وجود “فراقشية” أو لوبيات أو شبكات مصالح، بل في بنية اقتصادية وإدارية تجعل الوصول إلى الثروة مرتبطا بالقرب من مراكز القرار أكثر من ارتباطه بالمنافسة الشريفة والإنتاجية والكفاءة.
وتحمل التدوينة في عمقها رسالة أشد قسوة من ظاهرها، مفادها أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في انتشار الفساد داخل المؤسسات، بل في نجاحه في إعادة تشكيل الوعي الجماعي، بحيث يتحول من ظاهرة مدانة إلى نموذج للنجاح الاجتماعي.
فعندما يقتنع المواطن بأن الطريق الأقصر إلى الثروة يمر عبر الامتيازات والريع واستغلال النفوذ، يصبح الفساد جزءا من الثقافة العامة لا مجرد انحرافات فردية.
وفي خاتمة ساخرة ومؤلمة في آن واحد، يطرح اليحياوي سؤالا يبدو مستفزا لكنه يلخص جوهر انتقاده: إذا كانت الثروة في كثير من الأحيان ترتبط بالفساد والامتيازات، فلماذا لا يطالب الجميع بنصيبهم من هذا الفساد ما داموا محرومين من نصيبهم من الثروة؟
وهي صيغة تهكمية أراد من خلالها، على ما يبدو، تسليط الضوء على المفارقة الكبرى التي يعيشها المجتمع؛ فبدل أن يكون النقاش منصبا على بناء اقتصاد منتج قائم على تكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة، يتحول أحيانا إلى صراع حول من يستفيد من الريع ومن يُقصى منه.
وتأتي هذه التدوينة في سياق الجدل المتواصل حول ملفات الدعم العمومي والاحتكار وتضارب المصالح، وهي ملفات أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة ومصداقية آليات الرقابة والمحاسبة.
كما تعكس استمرار اليحياوي في تبني خطاب نقدي صادم يراهن على استفزاز النقاش العمومي ودفعه نحو مساءلة البنيات العميقة التي تنتج الفساد وتغذيه، بدل الاكتفاء بملاحقة مظاهره الخارجية فقط.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد