الهروب إلى الأمام.. حين يتحدث حزب الاستقلال بلسان المعارضة وهو شريك في السلطة

هبة زووم – الرباط
مرة أخرى، اختار حزب الاستقلال أن يتعامل مع واحدة من أخطر الأزمات الاجتماعية التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة بمنطق المتفرج، لا بمنطق الشريك في تدبير الشأن العام.
فبدل أن يقدم للرأي العام حصيلة مسؤوليته داخل الأغلبية الحكومية، أو يفسر للمغاربة أسباب فشل السياسات التي كان جزءاً من صياغتها وتنفيذها، فضل إصدار بلاغ سياسي بدا أقرب إلى خطاب المعارضة منه إلى موقف حزب يوجد في قلب السلطة التنفيذية.
فالحديث عن ضرورة إجراء “تقييم وطني شامل” للأسباب التي أفرزت مأساة الهجرة غير النظامية بسبتة ومليلية، قد يبدو مطلباً مشروعاً في حد ذاته، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: من الذي ينبغي أن يخضع أولاً لهذا التقييم؟ أليست الحكومة التي يشارك فيها الحزب؟ وأليس حزب الاستقلال نفسه أحد مكونات الأغلبية التي تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن حصيلة السنوات الماضية؟
إن محاولة توزيع المسؤولية على الجميع، من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني وأسرة ومدرسة وإعلام، لا يمكن أن تحجب الحقيقة الأساسية، وهي أن تدبير السياسات العمومية يبقى في النهاية مسؤولية الحكومة التي تمتلك القرار التنفيذي والميزانيات والبرامج، وليس مسؤولية المواطنين الذين يكتفون بدفع ثمن الاختيارات.
ويثير البلاغ أيضاً مفارقة لافتة، حين يدعو إلى تعزيز فرص الشغل، وتحسين التعليم، ودعم الشباب، وتحقيق العدالة المجالية، وكأن هذه الأوراش لم تكن أصلاً ضمن البرنامج الحكومي الذي صادق عليه الحزب ودافع عنه داخل البرلمان وخلال الحملة الانتخابية، فإذا كانت هذه الأولويات لم تتحقق بعد سنوات من المشاركة في الحكم، فمن يتحمل مسؤولية هذا التعثر؟
الأكثر إثارة أن الحزب اختار التركيز على انتقاد بعض وسائل الإعلام الأجنبية، والدعوة إلى حماية صورة المغرب، وهي مواقف قد تبدو مفهومة في سياق الدفاع عن المصالح الوطنية، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للهروب من النقاش الحقيقي المرتبط بالأسباب الداخلية التي دفعت مئات الشباب إلى المجازفة بحياتهم في البحر.
فالشباب الذين غادروا نحو المجهول لم يكونوا يبحثون عن بيانات سياسية أو خطابات تضامن، بل كانوا يبحثون عن فرص شغل، وتعليم ذي جودة، وعدالة اجتماعية، وأفق اقتصادي يمنحهم سبباً للبقاء داخل وطنهم، وهذه الملفات ظلت لسنوات في صلب البرامج الحكومية التي كان حزب الاستقلال أحد أبرز المدافعين عنها.
ولا يكفي اليوم الحديث عن “صحوة وطنية” أو “استعادة الثقة”، لأن الثقة لا تُستعاد بالشعارات، وإنما بالمحاسبة والاعتراف بالاختلالات وتحمل المسؤولية السياسية عنها، أما الاكتفاء بإطلاق الدعوات العامة، مع تجاهل موقع الحزب داخل الأغلبية، فهو لا يزيد إلا من تعميق أزمة الثقة بين المواطن والفاعل السياسي.
إن ما يحتاجه المغاربة اليوم ليس بيانات إنشائية، ولا محاولات لتوزيع المسؤولية على الجميع، بل شجاعة سياسية تعترف بالأخطاء، وتقدم حصيلة واضحة لما تحقق وما تعثر، وتتحمل مسؤولية الاختيارات التي أفرزت واقعاً جعل كثيراً من الشباب يعتبرون الهجرة، بكل مخاطرها، أقل قسوة من انتظار وعود تتجدد في كل استحقاق انتخابي.
لقد اختار حزب الاستقلال أن يخاطب الرأي العام وكأنه يقف خارج دائرة القرار، بينما الحقيقة السياسية تؤكد أنه جزء من الأغلبية التي تدير البلاد، ومن هنا، فإن أي حديث عن التقييم والإصلاح لن يكتسب المصداقية المطلوبة، ما لم يبدأ الحزب أولاً بمساءلة نفسه، قبل مطالبة الآخرين بتحمل مسؤولياتهم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد