هبة زووم – الرباط
قبل أيام قليلة من موعد الاقتراع التشريعي المقرر في 23 شتنبر الجاري، عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى واجهة النقاش السياسي بتدوينة جديدة اختار فيها رفع سقف التحذير، متسائلاً عما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستقود فعلاً إلى تغيير في تركيبة البرلمان والحكومة، أم أنها ستعيد إنتاج المشهد السياسي نفسه بوجوه وأحزاب قريبة من تلك التي تصدرت المؤسسات خلال الولاية المنتهية.
وتأتي تدوينة اليحياوي في سياق انتخابي رسمي تشارك فيه 27 حزباً، فيما تم إيداع 702 لائحة ترشيح برسم انتخابات مجلس النواب. وتؤكد المعطيات الرسمية أن الاستحقاق المقرر يوم 23 شتنبر يراد له أن يشكل محطة لإعادة تشكيل المشهد السياسي وتجديد أعضاء مجلس النواب، لكن اليحياوي يقرأ الصورة من زاوية أكثر تشاؤماً، إذ يطرح سؤالاً مباشراً: ماذا لو عاد البرلمان والحكومة نفسيهما من جديد؟
وبحسب الباحث، فإن احتمال إعادة إنتاج المشهد ليس مستبعداً، لأن القوى التي كانت حاضرة خلال السنوات الخمس الماضية ما تزال، في نظره، الأكثر حضوراً في الساحة السياسية، بينما يرى أن البدائل جرى “تجفيفها” وإضعاف قدرتها على المنافسة، وهو ما يعتبره سبباً في ما يسميه “انتفاء المنافسة” و”تكلس الوضع”.
غير أن أهمية طرح اليحياوي تكمن في السؤال الذي يضعه خلف الأرقام والمقاعد: هل يستطيع الناخب أن يغير الفاعلين السياسيين فعلاً، أم أن النظام الحزبي القائم يعيد إنتاج النخب نفسها مهما تغيرت الخريطة الانتخابية؟
ويمضي الباحث أبعد من ذلك، عندما يتحدث عن ترتيب مسبق للأمور، وعن رغبة ـ حسب قراءته ـ في الإبقاء على الفاعلين أنفسهم في السياسة والاقتصاد. وهي اتهامات سياسية ثقيلة، تظل في حاجة إلى أدلة ومعطيات مستقلة حتى تتحول من موقف نقدي إلى وقائع قابلة للإثبات.
الأكثر حدة في تدوينة اليحياوي هو سلسلة الأسئلة التي يطرحها حول المستقبل في حال استمر الفاعلون أنفسهم في مواقع القرار.
فهو يتساءل عما إذا كان المغرب سيظل، في حال إعادة إنتاج المشهد، أمام ما يسميه “الإثراء غير المشروع المؤسس لكل مظاهر الفساد”، ثم ينتقل إلى الحديث عن “تضارب المصالح” و”سطوة الفراقشية” على مرافق البلد، قبل أن يوجه انتقادات إلى ما يعتبره تراجعاً في الثقافة والفن والقيم، وإلى وضع حرية التعبير، ويجيب عن كل هذه الأسئلة بعبارة واحدة تتكرر في تدوينته: “بكل تأكيد”.
وهنا ينتقل اليحياوي من نقد حصيلة سياسية إلى بناء فرضية أشد خطورة: إذا لم يتغير الفاعل، فمن الطبيعي ـ وفق منطقه ـ ألا يتغير الفعل، حيث يختصر هذه الفكرة بعبارة لافتة: “السلوك يلازم صاحبه، والطبع يغلب التطبع”، في إشارة إلى اعتقاده بأن تغيير المواقع أو إعادة ترتيب التحالفات لا يعني بالضرورة تغيير طريقة ممارسة السلطة.
ولا يتوقف الباحث عند توقع عودة الوجوه السابقة، بل يحذر أيضاً مما يسميهم “جشعين جدد” من الطينة نفسها التي يعتقد أنها طبعت المرحلة الممتدة بين 2021 و2026، متسائلاً بلهجة ساخرة عن مقدار المال العام والصبر الذي سيحتاجه البلد حتى “يشبع هؤلاء ويتعففوا”.
وهذه العبارات تعكس موقفاً نقدياً شديد الحدة من المرحلة السياسية السابقة، لكنها تبقى، في النهاية، توصيفاً وتقييماً منسوباً إلى صاحب التدوينة، ولا تصلح وحدها لإثبات وقوع جرائم فساد أو إثراء غير مشروع أو تضارب مصالح بحق أشخاص بعينهم.
وفي ذروة تحذيره، يستعير اليحياوي عنوان “الموت القادم إلى الشرق”، ليقدم صورة رمزية لمدينة آمنة سقطت ـ حسب روايته ـ في يد عصابة من قطاع الطرق، فأفسدوها وأذلوا أهلها.
ثم يربط هذه الصورة بما يتوقعه من نتائج المرحلة المقبلة، قائلاً إن تحقق ما يتوقعه، والذي يصفه بأنه “مرتفع الاحتمال”، قد يقود قبل سنة 2030 إلى “مصيبة محققة”، غير أن صناديق الاقتراع وحدها ستفصل بين التوقع والواقع.
فالانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر ليست مجرد عملية لتجديد 395 مقعداً بمجلس النواب، بل هي أيضاً اختبار لقدرة الأحزاب والمرشحين على إقناع الناخبين ببرامجهم وحصائلهم، وقدرة الناخب نفسه على استخدام صوته لتغيير أو تثبيت موازين القوى.
كما أن القانون الانتخابي وضع قواعد لتنظيم الحملة وحماية حرية اختيار الناخبين، بما في ذلك منع التأثير على التصويت بالعنف أو التهديد أو بعض أشكال المنافع، مع إخضاع الإنفاق الانتخابي للمراقبة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه تدوينة اليحياوي لا يتعلق فقط بمن سيصل إلى البرلمان، بل بما إذا كان الناخبون سيجدون في البرامج والمرشحين ما يكفي لإحداث تغيير فعلي في الاختيارات العمومية.
هل ستكون انتخابات 23 شتنبر محطة لإعادة ترتيب المشهد السياسي، أم مجرد إعادة توزيع للمقاعد بين قوى اعتادت الحضور داخل المؤسسات؟
الجواب لن تحسمه التدوينات ولا استطلاعات الرأي ولا توقعات الباحثين، وإنما ستكتبه صناديق الاقتراع، ثم ستكشف الأيام التالية ما إذا كان تغيير الوجوه سيقود فعلاً إلى تغيير في السياسات والممارسات، أم أن مخاوف اليحياوي من «تكلس الوضع» ستجد ما يغذيها في الواقع السياسي الجديد.
تعليقات الزوار