مهام وهمية وتعويضات حقيقية؟ الانتخابات ببني ملال تكشف الوجه الآخر للتدبير المحلي

هبة زووم – بني ملال
في بني ملال، يبدو أن موسم الانتخابات لا يفتح فقط أبواب الحملات والوعود، بل يفتح أيضاً ملفات أخرى ظلت طويلاً حبيسة رفوف الجماعات الترابية، وفي مقدمتها ملف التعويضات عن التنقل والمهام وأوجه صرف المال العام.
ففي الوقت الذي يستعد فيه المنتخبون لخوض غمار الاستحقاق الانتخابي، تطفو إلى السطح معطيات تثير أسئلة ثقيلة حول طريقة تدبير عدد من الجماعات الترابية للتعويضات، وحول حقيقة بعض المهام والتنقلات التي استفاد منها منتخبون ومسؤولون محليون من المال العمومي.
وبحسب المعطيات المتداولة بشأن أعمال التفتيش والمراقبة، فقد جرى الوقوف على ملفات تتعلق بتنقلات ومهام يُطرح بشأن بعضها سؤال مدى إنجازها فعلياً، فضلاً عن مصاريف مرتبطة بأنشطة وملتقيات وشراكات تحتاج إلى تدقيق في الوثائق المثبتة لها وفي مدى مطابقتها للواقع.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد أرقام محاسبية باردة، وإنما بأموال مصدرها الميزانيات العمومية للجماعات الترابية، أي أموال المواطن التي يفترض أن تخضع لأقصى درجات الشفافية والتدقيق.
والأكثر إثارة للانتباه هو أن التعويض عن المهمة، الذي يفترض أن يكون مرتبطاً بمهمة فعلية ومحددة ومثبتة، يصبح محل تساؤل عندما تظهر مؤشرات تستدعي التحقق من طبيعة التنقل، وتاريخ المهمة، والجهة المستفيدة، والنتائج المترتبة عنها.
فهل كل أمر بمهمة يعني بالضرورة أن المهمة أنجزت فعلاً؟ وهل تخضع أوامر التنقل للمراقبة قبل صرف التعويضات أم بعده؟ وهل يتم التأكد من الوثائق التي تثبت المشاركة في الملتقيات والأنشطة؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما لا تتطابق الوثائق المالية مع الوقائع الميدانية؟ هذه الأسئلة تزداد أهمية عندما يتعلق الأمر بمنتخبين محليين ومسؤولين لهم تأثير مباشر على تدبير ميزانيات الجماعات.
المشكلة لا تكمن في حصول المنتخب على تعويض مستحق قانوناً عن مهمة فعلية، فهذا حق تؤطره النصوص، وإنما في احتمال تحول التعويض إلى وسيلة لصرف المال العام دون ارتباط واضح بمهمة حقيقية أو نتيجة ملموسة.
وهنا تصبح المسؤولية مضاعفة، لأن المنتخب الذي يطالب المواطنين بالثقة والتصويت مطالب قبل ذلك بأن يقدم نموذجاً في احترام المال العمومي.
كما أن الحديث عن “مصالح إجبارية” أو “نفقات استعجالية” لا ينبغي أن يتحول إلى مظلة تحجب تفاصيل الإنفاق. فكل نفقة عمومية تحتاج إلى سند قانوني، ووثيقة مثبتة، ومبرر واضح، ومسار محاسبي قابل للتدقيق.
وإذا كانت أعمال التفتيش قد أثارت بالفعل ملاحظات حول بعض هذه الملفات، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بتسجيل الملاحظات، بل تحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية والإدارية عند ثبوت أي مخالفة.
وتزداد أهمية الموضوع في ظل التعليمات والتوجيهات التي تصدرها وزارة الداخلية لفائدة الجماعات الترابية بهدف ترشيد النفقات وضبط استعمال المال العام وتشديد المراقبة على مختلف أوجه الصرف، لكن التعليمات، مهما كانت صارمة، تبقى بلا أثر إذا لم تتحول إلى مراقبة فعلية وآليات ردع واضحة.
فالمطلوب من أجهزة المراقبة ألا تكتفي بتفحص الأوراق، وإنما أن تقارن بين أمر المهمة والواقع، وبين النفقة والنتيجة، وبين الأموال المصروفة والخدمة التي استفاد منها المواطن.
وإذا تبين أن هناك مهاماً لم تنجز أو تعويضات صرفت دون استحقاق، فإن القضية لا ينبغي أن تنتهي عند حدود الملاحظات التقنية، لأن المال العام ليس تفصيلاً محاسبياً يمكن تجاوزه.
المفارقة أن هذه الملفات تظهر في لحظة انتخابية حساسة، حيث يطلب عدد من المنتخبين وأعضاء المجالس ثقة المواطنين من جديد، وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل ستدخل حصيلة تدبير المال العام ضمن الحساب الانتخابي؟
فالناخب لا يملك فقط حق السؤال عن المشاريع والطرق والإنارة والنظافة، وإنما يملك أيضاً الحق في معرفة كيفية تدبير الميزانيات، وحجم النفقات، وأوجه صرف التعويضات، وما إذا كانت الأموال العمومية قد ذهبت إلى ما يخدم المصلحة العامة.
ولا ينبغي أن تتحول الانتخابات إلى مجرد موسم للصور والوعود والتجمعات، بينما تبقى ملفات التدبير المالي خارج النقاش، فإن كانت التعويضات والمهام قد تمت وفق القانون، فالمطلوب هو نشر المعطيات وتقديم التوضيحات ووضع حد لأي التباس، أما إذا أثبتت عمليات المراقبة وجود اختلالات أو استفادات غير مستحقة، فإن ربط المسؤولية بالمحاسبة يجب أن يكون هو القاعدة، بعيداً عن الانتماءات الحزبية والتحالفات الانتخابية.
وفي انتظار اكتمال أعمال المراقبة وصدور المعطيات الرسمية التي تحدد الوقائع والمسؤوليات، يبقى السؤال الذي يختصر كل الحكاية: هل ستنجح بني ملال في تحويل ملفات التعويضات والمهام إلى ورشة حقيقية للشفافية، أم ستظل “دار لقمان” على حالها، فيما تتغير الوجوه الانتخابية ويبقى المال العام يدفع الفاتورة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد