اليحياوي يجلد الحملات الانتخابية: فقراء يوزعون أوراق من يحملهم مسؤولية محنتهم

هبة زووم – الرباط
بين الأزقة والطرقات، وفي الأحياء التي تعيش على وقع الهشاشة الاجتماعية، تتخذ الحملات الانتخابية أحياناً وجهاً شديد المفارقة: شباب ونساء يحملون منشورات المرشحين، ويرتدون سترات تحمل شعارات حزبية، بينما هم أنفسهم يعيشون، وفق توصيف الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، في قلب الفئات التي تعاني من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.
وفي تدوينة جديدة، اختار اليحياوي أن يقرأ المشهد الانتخابي من زاوية مختلفة، متوقفاً عند شباب ونساء قال إنه صادفهم في الشوارع وهم يوزعون المنشورات الانتخابية، مشيراً إلى أن عدداً منهم كانوا يرتدون “جيليات” تحمل شعارات حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.
لكن المفارقة التي يريد الباحث إبرازها لا تتعلق بالمنشورات في حد ذاتها، وإنما بالسؤال الذي يسبق توزيعها: لماذا يتحول المواطن الذي يعيش الهشاشة إلى أداة في حملة حزب أو مرشح يعتبره اليحياوي جزءاً من المسؤولية السياسية عن الوضع الذي يعيشه؟
اليحياوي يصف المشهد بعبارات قاسية، معتبراً أن بعض هؤلاء الشباب والنساء هم، في تقديره، ضحايا للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي أنتجتها السياسات العمومية خلال السنوات الماضية، ومع ذلك يجدون أنفسهم في الشارع يدافعون عن أطراف سياسية ينتقدها بشدة.
ومن هنا ينتقل الباحث إلى جوهر انتقاده: الانتخابات لا ينبغي أن تكون مجرد موسم لتوزيع المنشورات والوعود، بل لحظة لمحاسبة من تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام.
فخلال الولاية الحكومية المنتهية، شهد المغرب بالفعل نقاشاً واسعاً حول ارتفاع الأسعار والقدرة الشرائية والتشغيل والخدمات العمومية، وهي ملفات ستكون حاضرة بقوة في تقييم الناخبين للمرحلة السابقة.
أما اليحياوي، فيذهب في توصيفه أبعد، متحدثاً عن “سياسات العبث” وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وعن اختلالات في تدبير المال العام، كما يشير إلى ملفات قضائية طالت منتخبين ومسؤولين سياسيين في قضايا مختلفة.
وهنا تقتضي الموضوعية التمييز بين الأحكام القضائية والوقائع المثبتة من جهة، وبين التعميمات والاتهامات السياسية من جهة أخرى؛ فالفساد أو خيانة الأمانة أو الاغتناء غير المشروع لا يمكن نسبتها إلى أشخاص أو أحزاب إلا بناءً على وقائع وأحكام أو مصادر موثوقة.
لكن السؤال السياسي الذي يطرحه الباحث يظل واضحاً: هل يستطيع المواطن أن يفصل بين الوعود الانتخابية الجديدة والحصيلة التي خلفتها السنوات السابقة؟
اليحياوي يستحضر في هذا السياق شعار الحملة الانتخابية لسنة 2021: “نستحق أحسن”، ليضعه في مواجهة ما يعتبره حصيلة سلبية بعد خمس سنوات، فالشعار الانتخابي، في نظره، لا ينبغي أن يعيش خارج الزمن.
إذا قيل للمغاربة إنهم “يستحقون أحسن”، فإن السؤال بعد انتهاء الولاية يصبح بسيطاً: هل حصلوا فعلاً على ذلك “الأحسن”؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فهل يكفي إطلاق شعار جديد لإقناعهم بتجديد الثقة؟
هنا تحديداً تبرز أهمية الوعي الانتخابي، لأن المواطن لا يصوت فقط على صورة أو منشور أو مسيرة، وإنما يختار، في نهاية المطاف، من سيشارك في صناعة الحكومة والبرلمان والسياسات التي ستنعكس على الأسعار والشغل والخدمات والضرائب والاستثمار والحماية الاجتماعية.
ولذلك يرى اليحياوي أن المشهد الذي صادفه في الأزقة يحمل مفارقة اجتماعية قاسية: أشخاص يعانون من الفقر والهشاشة يشاركون في الترويج السياسي لمن يحمّله الباحث مسؤولية جزء من أوضاعهم.
غير أن تفسير هذا السلوك لا يمكن اختزاله في “الجهل” أو “انعدام البصيرة”، كما يوحي الخطاب الحاد للتدوينة؛ فالدوافع الانتخابية للفئات الهشة قد تكون متعددة، من الحاجة إلى العمل المؤقت، إلى العلاقات المحلية، إلى القناعة السياسية، أو إلى البحث عن منفعة مباشرة، وهي عوامل تحتاج إلى دراسة اجتماعية وسياسية أعمق.
في المقابل، تظل الرسالة الأهم التي تخرج بها التدوينة هي أن الانتخابات لا ينبغي أن تتحول إلى ذاكرة قصيرة، فالمرشح الذي يطرق باب المواطن اليوم مطالب بأن يجيب أيضاً عن أدائه بالأمس، والحزب الذي يقدم برنامجاً جديداً مطالب بأن يوضح ما الذي تحقق من وعوده السابقة عندما كان في موقع المسؤولية.
وبين “نستحق أحسن” التي رُفعت قبل خمس سنوات، وما يصفه اليحياوي اليوم بـ«السيئ والأسوأ»، تتحدد المسافة التي ينبغي أن يملأها كشف الحساب لا الخطاب الانتخابي، فالمنشور الذي يوزعه الناخب قد ينتهي به الأمر في سلة المهملات بعد دقائق.
أما آثار السياسات العمومية، فتظل حاضرة في الأسعار، والدخل، وفرص الشغل، والمدرسة، والمستشفى، والإدارة، والحياة اليومية للمواطن، ولهذا، فإن السؤال الحقيقي في موسم الانتخابات ليس: كم منشوراً وُزع؟ وكم مسيرة خرجت إلى الشارع؟
بل: ماذا تحقق خلال خمس سنوات؟ ومن يتحمل مسؤولية ما تحقق وما لم يتحقق؟ فصندوق الاقتراع لا ينبغي أن يكون نهاية الذاكرة السياسية للمواطن، بل لحظة استعادتها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد