مراكش.. مناورة المنصوري واختبار الوالي الخطيب لهبيل أمام ارتباك المشهد السياسي

هبة زووم – علال الصحراوي
في السياسة، لا تكون الأخطاء دائماً هي المشكلة الأكبر، بقدر ما يصبح تدبيرها وتفسيرها هو الاختبار الحقيقي للمسؤول السياسي والمؤسسة التي يمثلها، فقد يمر قرار متسرع، وقد تُطوى تصريحات غير موفقة، وقد يتم احتواء أزمة ما بتوضيح أو اعتذار أو تغيير في الخطاب، لكن اللحظة الأكثر حساسية تبدأ عندما تتعدد الروايات ويصبح الرأي العام أمام صورة مرتبكة بدل جواب واضح ومقنع.
ومن هنا يمكن قراءة جزء من المشهد السياسي المتداول في مراكش، حيث تطرح تحركات فاطمة الزهراء المنصوري، وما يثار حول علاقتها بمحيط السلطة المحلية، أسئلة تتجاوز الأشخاص لتصل إلى طبيعة تدبير الشأن العام وحدود المناورة السياسية داخل مدينة بحجم مراكش.
فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست مجرد القدرة على تجاوز الأزمات، وإنما أيضاً القدرة على تقديم تفسير واضح ومتسق لما يجري. وعندما تتعدد التأويلات حول قرار أو تحرك أو موقف، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة فقط بالحدث الأصلي، بل تتحول إلى أزمة ثقة في طريقة تدبيره والتواصل بشأنه.
وهنا تظهر ما يمكن تسميته بـ”الورطة السردية”؛ وهي اللحظة التي تصبح فيها الروايات المتعددة عبئاً على أصحابها بدل أن تكون وسيلة للخروج من الأزمة، ففي زمن التواصل الفوري، لم يعد المسؤول يملك رفاهية انتظار أيام أو أسابيع لإعادة ترتيب خطابه، لأن الحدث قد يتحول خلال ساعات إلى موضوع نقاش عام، وتصبح كل كلمة جديدة جزءاً من القصة نفسها.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن مناورة المنصوري لا ينبغي أن يتحول إلى حكم مسبق على النيات أو إلى اتهام غير مثبت، وإنما يطرح سؤالاً سياسياً مشروعاً: هل يتعلق الأمر بتدبير عادي للاختلافات والتوازنات السياسية، أم أن المشهد يعكس توسعاً في هامش المناورة على حساب وضوح المؤسسات؟
والسؤال نفسه يطال الوالي الخطيب لهبيل، ليس من زاوية تحميله مسؤولية وقائع لم تثبت، وإنما من زاوية مسؤوليته المؤسساتية عن ضمان وضوح القرار الإداري، واحترام المساطر، والحفاظ على المسافة المطلوبة بين الإدارة والمنافسة السياسية، بما يحمي صورة السلطة من أي تأويلات قد تضعها في قلب الصراع السياسي.
فالمشكلة لا تبدأ عندما يختلف السياسيون، ولا عندما تتنافس القوى والنخب على النفوذ، وإنما عندما يصبح المواطن عاجزاً عن التمييز بين ما هو قرار مؤسساتي وما هو حساب سياسي.
ومراكش، بما تمثله من ثقل اقتصادي وسياحي وانتخابي، ليست بحاجة إلى روايات ملتبسة أو رسائل مشفرة، المدينة تحتاج إلى مؤسسات واضحة، ومسؤولين يتحملون مسؤولياتهم، وقرارات يمكن تفسيرها أمام المواطنين بعيداً عن منطق الكواليس.
فالسلطة لا تُقاس فقط بقدرتها على تمرير القرارات، والسياسة لا تُقاس فقط بقدرة الفاعل السياسي على المناورة، المعيار الأهم هو: هل تظل المؤسسات أقوى من الأشخاص، وهل يبقى القرار العام واضحاً ومستقلاً عن الحسابات السياسية؟
وإذا كانت المناورة جزءاً طبيعياً من العمل السياسي، فإنها تصبح مكلفة حين تتحول إلى بديل عن الوضوح. وحينها لا تعود الأزمة أزمة قرار فقط، بل تصبح أزمة ثقة.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لمراكش: هل تستطيع مؤسسات المدينة أن تفرض وضوحها واستقلال قرارها، أم ستظل التوازنات السياسية أقوى من منطق المؤسسة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد