هبة زووم – الدار البيضاء
لم يعد ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء مجرد صداع يومي يؤرق المستهلك المغربي، بل بدأ يضرب قلب المهنة نفسها، بعدما وجد عدد من أصحاب محلات الجزارة أنفسهم أمام معادلة تبدو مستحيلة: إما فتح المحلات وبيع اللحوم بأثمان مرتفعة تُغضب الزبناء وتُبعدهم، أو الإغلاق تفادياً لخسائر قد يصبح من الصعب تحملها.
ففي مدينة الدار البيضاء، اختار عدد من الجزارين، بحسب المعطيات المتوفرة، إغلاق محلاتهم نتيجة القفزة الجديدة في أسعار اللحوم الحمراء، في مشهد يكشف أن الأزمة لم تعد تقتصر على المواطن الذي يعجز عن الشراء، بل امتدت إلى المهني الذي أصبح بدوره عاجزاً عن ممارسة نشاطه في شروط اقتصادية مستقرة.
وبلغ سعر كيلوغرام لحم البقر، إلى حدود الفترة الأخيرة، مستويات مرتفعة في مجازر الدار البيضاء، فيما يؤكد مهنيون تحدثوا لـ”هبة زووم” أن جودة اللحوم واختلاف الأصناف تجعل أثمان الاقتناء بالجملة تتراوح في بعض الحالات بين 115 و120 درهماً للكيلوغرام، وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: إذا كان الجزار يقتني اللحم بهذه الأثمان، فبأي سعر سيبيعه للمستهلك؟
فالمحل له كلفة، والعمال لهم أجور، وهناك النقل والكهرباء والضرائب والمصاريف المختلفة، ثم هامش الربح الذي يفترض أن يسمح باستمرار النشاط. وفي النهاية، يصل المواطن إلى محل الجزارة ليجد نفسه أمام أسعار لا تسمح لكثير من الأسر بجعل اللحوم جزءاً منتظماً من مائدتها.
وهكذا يصبح الجزار في مواجهة مباشرة مع الزبون، بينما تبقى الأسباب الحقيقية لارتفاع الأسعار، ومسارات توزيع المنتوج، وهوامش الربح المتراكمة عبر مختلف الحلقات، في حاجة إلى مزيد من الوضوح والمراقبة.
وما يحدث في قطاع اللحوم يبدو أنه ليس حالة معزولة، إذ تتكرر الصورة نفسها في أسواق الخضر والفواكه، حيث تسجل في عدد من الحالات فوارق كبيرة بين أثمان المنتجات عند خروجها من سوق الجملة والأسعار التي تصل بها إلى المستهلك.
فالطماطم، التي تراوحت أثمانها في سوق الجملة، بحسب المعطيات المتداولة، بين 1.50 و5 دراهم حسب الجودة والنوعية، يمكن أن تصل في بعض الأسواق الشعبية إلى 8 دراهم للكيلوغرام، والقرع الأحمر، الذي تراوح ثمنه بالجملة بين 2.50 و7 دراهم، عُرض في بعض الأسواق للبيع بما يصل إلى 12 درهماً، أما الجزر، الذي تراوح ثمنه في سوق الجملة بين 1.50 و3.50 دراهم، فقد بلغ في بعض الأسواق 7 دراهم للكيلوغرام.
هذه الفوارق لا يمكن اختزالها دائماً في النقل والتلف ومصاريف السوق وهامش الربح المشروع. فحين تتسع الهوة إلى مستويات كبيرة في بعض الحالات، يصبح من المشروع طرح السؤال حول طبيعة المسالك التي تمر منها السلع قبل وصولها إلى المستهلك.
من يراقب هذه الهوامش؟ ومن يحدد الحد الفاصل بين الربح المشروع والاستغلال؟ ولماذا يشعر المواطن، في نهاية كل سلسلة توزيع، بأنه الحلقة الأضعف التي تتحمل دائماً الفاتورة؟
وتتكرر الفوارق نفسها مع عدد من المواد الأخرى، إذ تتراوح أثمان البصل في سوق الجملة، وفق المعطيات المتوفرة، بين 1.30 و2.30 درهماً، بينما يصل في بعض الأسواق إلى حوالي 5 دراهم.
كما يتراوح سعر القرع الأخضر بالجملة بين 1.80 و3.50 دراهم، قبل أن يصل في بعض الأسواق إلى 7 دراهم، فيما تباع أنواع أخرى من الخضر، مثل الخيار والباذنجان، بأسعار تفوق بكثير ثمنها عند خروجها من سوق الجملة.
والمشكلة أن المواطن لا يرى سوى الثمن النهائي، لا يعرف عدد الوسطاء الذين مر عبرهم المنتوج، ولا طبيعة المصاريف التي أضيفت إليه، ولا من استفاد من الهوامش الأكبر، إنه يقف أمام البائع ويدفع، وحين لا يستطيع الدفع، يكتفي بتقليص الكمية أو الاستغناء عن المنتوج بالكامل.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية لارتفاع الأسعار: فهو لا يغير فقط سلوك الاستهلاك، بل يغير طبيعة الغذاء نفسه داخل الأسر المغربية.
لا يمكن الحديث عن حماية القدرة الشرائية دون فتح ملف مسالك التوزيع وهوامش الربح بجدية، فالمراقبة لا ينبغي أن تقتصر على التأكد من وجود الأسعار أو تعليق لائحة الأثمان، بل يفترض أن تمتد إلى فهم المسار الكامل للسلعة، من المنتج أو سوق الجملة إلى المستهلك.
إن الأسواق ليست فضاءً خارج القانون، ولا يمكن أن تتحول الفوارق الكبيرة في الأسعار إلى أمر عادي يطلب من المواطن التعايش معه، فالأسرة المغربية لا تعنيها كثيراً المبررات التقنية عندما تجد أن اللحوم أصبحت بعيدة عن متناولها، وأن الخضر والفواكه نفسها تُباع بأثمان تفوق قدرتها الشرائية.
والأخطر أن الجزار، الذي يفترض أن يكون جزءاً من دورة الاقتصاد المحلي، أصبح بدوره يختار إغلاق محله لأنه لا يستطيع إيجاد توازن بين ثمن الاقتناء وثمن البيع.
ما يحدث اليوم يطرح سؤالاً عريضاً حول فعالية السياسات المتبعة لمراقبة الأسعار وحماية المستهلك، فإذا كان المواطن يشتكي، والمهني يشتكي، والجزار يغلق محله، فمن المستفيد من استمرار هذه الفوارق؟
إن استمرار أزمة الغلاء لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد نتيجة طبيعية للأسواق، خصوصاً عندما تتحول أسعار مواد أساسية إلى عبء يومي على الأسر.
المطلوب اليوم ليس مزيداً من التصريحات المطمئنة، بل مراقبة فعلية وشفافة لمسالك التوزيع، وتدقيقاً في هوامش الربح، وربطاً واضحاً بين أثمان الجملة والأسعار النهائية، لأن ما يجري لا يهدد فقط موائد المواطنين، بل يهدد أيضاً استقرار آلاف المهنيين الصغار.
فحين يغلق الجزار محله خوفاً من الخسارة، ويعجز المواطن عن شراء اللحم خوفاً من السعر، يصبح السؤال مشروعاً: من الذي يربح فعلاً من هذا الغلاء؟
تعليقات الزوار