الكتب المدرسية مفقودة في المكتبات وحاضرة في الأسواق ورابطة الكتبيين تطالب بكشف الحقيقة

هبة زووم – الرباط
لم يعد خصاص بعض المقررات الدراسية مجرد إشكال عابر مرتبط ببداية الموسم الدراسي، بعدما أكدت رابطة الكتبيين بالمغرب استمرار تسجيل النقص في عدد من المقررات الخاصة بسلكي التعليم الإعدادي والثانوي، إضافة إلى مقررات مرتبطة بـ”مدارس الريادة”، بعدد من المكتبات بمختلف مدن ومناطق المملكة.
والأكثر إثارة للانتباه، بحسب الرابطة، أن هذا الخصاص يستمر رغم مرور فترة مهمة من الدخول المدرسي، في وقت تتداول فيه مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو يُقال إنها تظهر توفر كميات مهمة من بعض المقررات في أسواق ونقط بيع تقع خارج شبكة المكتبات المهنية.
وهنا تحديداً تبدأ الأسئلة الحقيقية: كيف يمكن لكتاب مدرسي أن يكون مفقوداً من المكتبة التي يفترض أن توفره للتلميذ والأسرة، بينما تظهر في المقابل معطيات عن توفره في قنوات بيع أخرى؟
السؤال لا يعني بالضرورة وجود مخالفة، لكنه يستوجب، بحسب منطق الشفافية، التحقق من مسار الكتاب منذ خروجه من الناشر إلى أن يصل إلى يد التلميذ.
فالكتبي يجد نفسه في قلب المعادلة، لكنه لا يتحكم في حلقاتها كلها. إنه الحلقة التي تقصدها الأسرة بحثاً عن الكتاب، وفي حال عدم توفره يصبح هو في مواجهة مباشرة مع غضب الآباء والتلاميذ، رغم أن قرار الطبع والكميات والتوزيع ومسارات الإمداد ليست بالضرورة من اختصاصه.
وهذه الوضعية، كما تقول الرابطة، لا تضر فقط بسير عملية اقتناء المقررات، بل تلحق أضراراً مهنية وتجارية بالمكتبات، وتضع المهني أمام زبون يريد جواباً لا يملكه، لكن المتضرر الأكبر في نهاية المطاف هو التلميذ.
فكيف يمكن الحديث عن دخول مدرسي منتظم، وعن إصلاح المناهج، وعن مدارس الريادة، وعن تحسين جودة التعلمات، بينما يجد تلميذ نفسه يبحث عن مقرر دراسي أساسي بعد مرور أسابيع على انطلاق الدراسة؟
الكتاب المدرسي ليس سلعة كمالية يمكن تأجيل اقتنائها إلى حين توفرها، إنه أداة أساسية داخل العملية التعليمية، وأي اضطراب في توفيره ينعكس، بدرجات مختلفة، على التلميذ والأسرة والأستاذ والكتبي معاً.
أما إذا صحت المعطيات المتداولة حول توفر بعض المقررات بكميات مهمة خارج شبكة المكتبات المهنية، فإن الأمر يستدعي توضيحاً مؤسساتياً دقيقاً، لا الاكتفاء بالصمت أو تحميل المسؤولية للكتبي الذي لا يملك، في الأصل، مفاتيح منظومة التوزيع.
من يحدد الكميات؟ من يوزعها؟ كيف يتم تتبع مسارها؟ وما هي القنوات المعتمدة لوصولها إلى الأسر؟ ثم سؤال أكثر حساسية: هل يتم احترام مبدأ تكافؤ الفرص في توزيع المقررات بين المدن والمناطق، أم أن البعد عن المراكز الاقتصادية الكبرى يجعل بعض الأسر والتلاميذ آخر من تصل إليهم الكتب؟
فإذا كانت الرابطة تتحدث عن تأثر مناطق بعيدة عن العاصمة الاقتصادية بشكل خاص، فإن ذلك يطرح بدوره إشكالية العدالة المجالية في الوصول إلى الكتاب المدرسي.
ولا يكفي أن تكون المقررات مطبوعة ومتوفرة على المستوى الوطني؛ المطلوب أن تكون متاحة فعلياً للتلميذ في المكان والوقت المناسبين وبالسعر القانوني ومن خلال القنوات المعتمدة.
من هنا تبدو مطالبة رابطة الكتبيين بفتح تحقيق في أسباب الخصاص، والتحقق من مسارات توزيع المقررات، وإرساء آليات شفافة لضمان توفيرها داخل المسالك القانونية، مطالبة تستحق جواباً واضحاً من الجهات المعنية.
فالأسرة لا ينبغي أن تتحول إلى باحثة عن “عنوان” لكتاب مدرسي، والكتبي لا ينبغي أن يتحول إلى متهم أمام زبون غاضب بسبب مقرر لا يملك قرار توزيعه، والتلميذ لا ينبغي أن يدفع ثمن أي خلل محتمل في سلسلة الإمداد.
المطلوب ليس فقط توفير الكتب، بل كشف أين وقع الخلل، ولماذا وقع، ومن يتحمل مسؤولية إصلاحه، ففي قطاع يرتبط مباشرة بحقوق ملايين التلاميذ، لا مكان لمنطق «الكتاب موجود» إذا كان غير موجود حيث يحتاجه التلميذ.
والسؤال الذي ينتظر جواباً واضحاً هو: إذا كانت بعض المقررات تعاني الخصاص داخل المكتبات، فمن أين تأتي الكميات التي تظهر خارجها؟ الجواب عن هذا السؤال وحده كفيل بتحديد ما إذا كان الأمر مجرد خلل في التوزيع أم أن هناك اختلالاً أعمق يستوجب التدخل والمساءلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد