500 أم 1000 درهم؟ المواطن بين لغة بنك المغرب وسقف وعود “البام”

هبة زووم – طنجة
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يبدو أن ورقة الدعم الاجتماعي المباشر تحولت إلى واحدة من أكثر الأوراق جاذبية في سوق الوعود الانتخابية.
وبينما تطرح مؤسسة نقدية مثل بنك المغرب سؤال الاستدامة المالية للدعم العمومي، تخرج فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، لتعلن أن حزبها يقترح، في حال حصوله على ثقة الناخبين، رفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم للمواطن في وضعية هشاشة.
وبعيداً عن المزايدات السياسية، هناك سؤال واحد يفرض نفسه بقوة: هل نحن أمام برنامج اقتصادي محسوب بدقة، أم أمام رفع لسقف الوعود كلما اقترب موعد الاقتراع؟
المواطن، بطبيعة الحال، يريد دخلاً أفضل وقدرة شرائية أقوى، ولا يحتاج إلى خبير اقتصادي ليكتشف أن كلفة المعيشة أصبحت تضغط على الأسر. لكن المشكلة أن السياسة الاجتماعية لا تُقاس فقط بحجم المبلغ الذي يوضع أمام الناخب، وإنما أيضاً بمصدر تمويله، وبقدرته على الاستمرار، وبآثاره على الميزانية والاقتصاد.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق النقاش، فحين تحذر المؤسسة النقدية من أن الدعم الاجتماعي لا يمكن أن يتحول إلى التزام مالي مفتوح من دون موارد مستدامة، يأتي الخطاب الانتخابي ليقترح مضاعفة المبلغ تقريباً.
وبين الرقمين، تظل هناك حلقة مفقودة في الخطاب السياسي: كم ستكلف هذه الزيادة خزينة الدولة؟ ومن أين ستأتي مواردها؟ وما هي الآلية التي ستضمن استمرارها؟
المنصوري لم تكتفِ بطرح رفع الدعم، بل قدمت حزمة من المقترحات المرتبطة بالقدرة الشرائية، من مراجعة الضريبة على الدخل، إلى إجراءات لفائدة ذوي الدخل المحدود، وصولاً إلى مقترح إحداث شركات عمومية لتوزيع المواد الغذائية بهدف تقليص عدد الوسطاء، لكن كل مقترح من هذه المقترحات يحتاج بدوره إلى جواب عن السؤال المالي والمؤسساتي.
فإنشاء شركات عمومية جديدة ليس مجرد قرار سياسي؛ إنه يحتاج إلى ميزانيات، وهياكل، وموارد بشرية، ونظام للحكامة، وآليات للمراقبة، وتقييم حقيقي لمدى قدرتها على منافسة شبكات التوزيع القائمة.
أما الحديث عن إعفاء شرائح من الضريبة على الدخل أو تحمل الدولة جزءاً من الأعباء بالنسبة لفئات محدودة الدخل، فهو أيضاً قرار له كلفة على الموارد العمومية، ويحتاج إلى تحديد دقيق لمصادر التعويض عنها.
وهنا يصبح من حق الناخب أن يسأل “البام” قبل أن يسمع رقم 1000 درهم: كم عدد المستفيدين؟ كم ستبلغ الكلفة السنوية؟ ما مصدر التمويل؟ وهل الزيادة ستستمر في السنوات المقبلة مهما تغيرت الظروف الاقتصادية؟ فالوعود الاجتماعية سهلة في المنابر الانتخابية، لكن تنفيذها شيء آخر تماماً.
والأخطر أن يتحول الدعم إلى أداة لامتصاص الغضب الاجتماعي دون معالجة جذور المشكلة: الأجور، التشغيل، الإنتاج، الأسعار، سلاسل التوزيع، المنافسة، الضرائب، وجودة الخدمات العمومية.
إذا كان المواطن يشتري بعض المواد بأسعار مرتفعة، فإن الحل لا يمكن أن يكون دائماً ضخ المزيد من الأموال في جيبه فقط. السؤال الأعمق هو: لماذا ارتفعت الأسعار أصلاً؟ ومن يملك القدرة على التحكم في سلاسل الإنتاج والتوزيع؟ وأين تنتهي كلفة المنتج وأين تبدأ هوامش الوسطاء؟
وهنا يحسب للخطاب الانتخابي للمنصوري أنه يضع تعدد الوسطاء في دائرة النقاش، لكنه في المقابل مطالب بتقديم تفاصيل أكثر حول كيفية اشتغال شركات التوزيع العمومية المقترحة، وكيف ستمنع تحولها هي الأخرى إلى مؤسسات مكلفة دون أثر ملموس على الأسعار.
أما الشباب الذين وُجهت إليهم دعوة للتشبث بالبلاد وعدم فقدان الأمل، فإنهم يحتاجون بدورهم إلى أكثر من خطاب تعبوي. الشاب الذي يبحث عن عمل لا يريد فقط أن يسمع أن المستقبل أفضل؛ يريد أن يعرف أين هي فرص الشغل، وما هي القطاعات التي ستوفرها، وما هو الأجر، وما هي ضمانات الاستقرار المهني؟
وهنا تحديداً ينبغي أن تتحول البرامج الانتخابية من لغة الأمنيات إلى لغة الأرقام، فليس صعباً أن تقول الأحزاب: سنرفع الدعم، وسنخفض الضرائب، وسنحسن القدرة الشرائية، وسندعم الشباب، وسنتدخل في الأسعار، الصعب هو أن تجيب عن السؤال الذي يأتي بعد كل وعد: بأي مال؟ وبأي آلية؟ وفي أي أجل؟ وبأي نتائج قابلة للقياس؟
وبين خطاب المؤسسة النقدية التي تضع الاستدامة المالية في صلب النقاش، وخطاب «البام» الذي يرفع سقف الدعم المقترح إلى 1000 درهم، يجد المواطن نفسه أمام معادلة تحتاج إلى أكثر من التصفيق الانتخابي.
المواطن لا يحتاج إلى من يبيع له الرقم الأكبر، بل إلى من يشرح له الحساب كاملاً، فـ500 درهم أو 1000 درهم ليست هي القضية الوحيدة؛ القضية هي أن يكون الدعم اجتماعياً وعادلاً ومستداماً، وأن لا تتحول الوعود الانتخابية إلى التزامات مالية تدفع الدولة ثمنها لاحقاً من موارد أخرى أو من أجيال قادمة.
وفي النهاية، الكرة في ملعب الأحزاب التي تطلب ثقة الناخبين: قدّموا الأرقام، اكشفوا مصادر التمويل، حددوا الكلفة، اشرحوا آليات التنفيذ، وبعدها دعوا المواطن يحكم على البرامج بعيداً عن بريق الأرقام الانتخابية.
لأن الدولة لا تُدبّر بالشعارات، والميزانية لا تُموّل بالتصفيق، والدعم الاجتماعي لا ينجح فقط عندما يكون سخياً، بل عندما يكون عادلاً وقابلاً للاستمرار ومحمياً من الحسابات الانتخابية الضيقة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد