الكنبوري: الانتخابات لا تعني الإصلاح والفضائح التي كشفتها الحملة تستدعي تحرك الدولة والنيابة العامة

هبة زووم – الرباط
لم تمر الخطابات والمواقف التي أفرزتها الحملة الانتخابية الأخيرة مرور الكرام، بعدما اختار الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري رفع سقف النقد إلى مستوى غير مسبوق، واضعاً ليس فقط الأحزاب والمرشحين، وإنما أيضاً طريقة تدبير العملية الانتخابية برمتها أمام أسئلة سياسية ومؤسساتية ثقيلة.
الكنبوري اعتبر، في تدوينة له، أن عدم تحرك الدولة والنيابة العامة إزاء ما وصفه بـ”الفضائح” التي كشفتها الحملة الانتخابية، وما يظهر على ألسنة بعض مسؤولي الأحزاب، يجعل انتخابات 23 شتنبر مهددة بفقدان جزء من معناها السياسي.
وبلغة حادة، شبّه الباحث المشهد بـ«سوق بدون بواب»، معتبراً أن ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بحسب تعبيره، أصبح كافياً لإثارة أسئلة تستوجب التحقق والتحقيق، بدل الاكتفاء بمراقبة المشهد الانتخابي من بعيد.
غير أن أخطر ما في تدوينة الكنبوري لا يتعلق فقط بما يجري خلال الحملة، بل يمتد إلى جدوى الانتخابات نفسها باعتبارها أداة للإصلاح السياسي.
فالباحث يرى أن تنظيم الانتخابات، في حد ذاته، ليس جواباً على الأزمات التي يعيشها المغرب، منتقداً ما يعتبره اختزالاً للعملية الديمقراطية في مسار تقني يبدأ بالحملة وينتهي بالاقتراع وإعلان النتائج.
وبحسب الكنبوري، فإن الانتخابات لا تعني تلقائياً الإصلاح أو التغيير أو الديمقراطية، بل يمكن، في بعض السياقات، أن تصبح ـ وفق قراءته ـ عائقاً أمام هذه الأهداف إذا كانت النخب التي تنتجها العملية الانتخابية لا تستجيب لانتظارات المجتمع.
وهنا يضع الباحث إصبعه على سؤال شديد الحساسية: هل يكفي أن تكون هناك صناديق اقتراع حتى نقول إننا أمام إصلاح سياسي؟ الكنبوري يجيب بالنفي، معتبراً أن نوعية المرشحين وما يصفه بانتشار الفساد يمكن أن يجعلا الحكم على التجربة الانتخابية سلبياً حتى قبل فتح مكاتب التصويت.
لكن تدوينة الباحث لا تكتفي بنقد الأحزاب، بل تحمل أيضاً رسالة إلى الدولة. فإذا كانت الانتخابات، حتى في حال توفر شروط النزاهة، لا تحسم وحدها في القضايا الكبرى، فإن المطلوب ـ وفق طرحه ـ هو أن تضطلع الدولة بمهام الإصلاح الكبرى، بدل تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية صناعة التغيير.
ويذهب الكنبوري أبعد من ذلك عندما ينتقد الرهان على أحزاب يعتبر أنها، بحسب وصفه، أصبحت منشغلة بالحقائب الوزارية ومقاعد البرلمان أكثر من انشغالها بالمصلحة العامة وهيبة المؤسسات.
وهذه النقطة تفتح بدورها نقاشاً أوسع حول العلاقة بين الدولة والأحزاب والانتخابات: هل الأحزاب مجرد قنوات انتخابية للوصول إلى المؤسسات، أم أنها يفترض أن تكون مدارس لإنتاج النخب وصناعة السياسات وتأطير المجتمع؟
وفي خلاصة موقفه، يدعو الكنبوري إلى ما يسميه “اليقظة”، معتبراً أن اختزال الحلول في الأرقام الانتخابية قد يقود إلى تجاهل الأسئلة الحقيقية المرتبطة بالإصلاح والحكامة وجودة النخب.
كما يستحضر الباحث البعد التاريخي للمؤسسة السياسية المغربية، مذكراً بأن الدولة المغربية تمتد جذورها التاريخية إلى قرون طويلة، بينما الانتخابات بصيغتها الحديثة لا يتجاوز عمرها عقوداً محدودة.
ومن هنا يوجه الكنبوري تحذيراً ذا حمولة سياسية ورمزية قوية: فإذا تحولت الانتخابات إلى مجرد آلية تقنية لإنتاج الأرقام والمقاعد، وإذا ظلت النخب السياسية ـ بحسب توصيفه ـ عاجزة عن مواكبة التحولات وانتظارات المجتمع، فإن الرهان لا يعود متعلقاً فقط بنتائج اقتراع واحد، بل بصورة السياسة نفسها وبقدرتها على حماية الرصيد التاريخي للدولة والمجتمع.
وبعيداً عن الاتفاق أو الاختلاف مع القراءة التي قدمها الكنبوري، فإن الأسئلة التي يطرحها تستحق نقاشاً مؤسساتياً هادئاً: هل تكفي الانتخابات لإنتاج الإصلاح؟ وهل جودة العملية الانتخابية تقاس فقط بنزاهة الاقتراع، أم أيضاً بنوعية النخب التي تنتجها؟ وأين تبدأ مسؤولية الدولة وأين تنتهي مسؤولية الأحزاب؟
أما ما يتعلق بأي مخالفات أو تجاوزات محتملة خلال الحملة الانتخابية، فالحسم فيها لا يمكن أن يكون عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو الخطابات السياسية، وإنما عبر الآليات القانونية المختصة والتحقيقات الرسمية متى توفرت المعطيات التي تستدعي ذلك.
فالانتخابات ليست مجرد يوم اقتراع، كما أن الديمقراطية ليست مجرد صندوق. وبين الاثنين توجد منظومة كاملة من النزاهة، والمسؤولية، وجودة النخب، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وثقة المواطن في المؤسسات.
وهنا تحديداً يبدو أن رسالة الكنبوري تتجاوز انتخابات 23 شتنبر لتطرح سؤالاً أكبر: هل المطلوب فقط تنظيم انتخابات جديدة، أم بناء شروط سياسية ومؤسساتية تجعل الانتخابات بالفعل أداة للإصلاح؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد