هبة زووم – الرشيدية
تعود صفقات الجماعات الترابية بإقليم الرشيدية إلى واجهة النقاش، وهذه المرة من بوابة صفقة ضخمة مرتبطة بأشغال تأهيل جماعة مولاي علي الشريف، بعدما أثارت المعطيات المرتبطة بكلفتها وظروف المنافسة عليها أسئلة جدية حول الحكامة والشفافية وتدبير المال العام، خصوصاً في سياق سياسي وانتخابي شديد الحساسية.
المشروع موضوع الصفقة رقم 04/2025 يتعلق بأشغال تأهيل جماعة مولاي علي الشريف في إطار برنامج يهدف إلى تحسين الجاذبية السياحية وتعزيز البنية التجهيزية وتأهيل عدد من المجالات داخل الجماعة. وكان مقرراً فتح الأظرفة المتعلقة بطلب العروض يوم 16 أكتوبر 2025، وفق الإعلان المنشور بشأن العملية.
لكن ما يثير الانتباه، بحسب المعطيات والوثائق التي يتم تداولها حول الملف، هو الفارق بين التقييمات المالية التي سبقت إسناد الصفقة وبين المبلغ النهائي الذي رست به.
فوفق المعطيات المقدمة حول الملف، حددت دراسة على مستوى العمالة الكلفة التقديرية في حدود 32 مليون درهم، قبل أن ترتفع تقديرات جماعة مولاي علي الشريف إلى حوالي 43 مليون درهم، لتنتهي الصفقة، بحسب المعطيات نفسها، إلى مبلغ قدره 52.651.264,35 درهم، أي أكثر من 5.2 مليارات سنتيم.
وإذا صحت هذه الأرقام، فإن الفارق ليس تفصيلاً حسابياً يمكن المرور عليه مرور الكرام، بل معطى مالي يستحق تفسيراً تقنياً وإدارياً واضحاً، ما الذي يفسر هذا الفارق؟ وما هي الأشغال أو التعديلات التي رفعت الكلفة بهذا الحجم؟ وهل يتعلق الأمر بتطور طبيعي في الدراسة التقنية، أم بإعادة تقييم احتياجات المشروع، أم بعوامل أخرى؟
هذه الأسئلة لا تعني مسبقاً وجود اختلال أو مخالفة، لكنها تصبح مشروعة عندما يتعلق الأمر بملايين الدراهم من المال العام.
عرض واحد لصفقة تفوق 5 مليارات.. أين المنافسة؟
الجانب الثاني الذي يستحق التدقيق يرتبط بالمنافسة، فبحسب المعطيات المتعلقة بفتح الأظرفة، لم يتقدم للصفقة سوى عرض واحد، قدمه تجمع يضم مقاولة من أرفود وأخرى من الدار البيضاء.
وهنا أيضاً لا يعني وجود عرض وحيد، في حد ذاته، أن الصفقة غير قانونية، إذ يمكن لطلب عروض عمومي أن ينتهي قانونياً إلى عرض واحد إذا استوفى الشروط المطلوبة. لكن حجم الصفقة، وغياب المنافسة الفعلية، والفارق بين التقديرات والمبلغ النهائي، كلها عناصر تجعل من المشروع موضوعاً طبيعياً للتدقيق والمساءلة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كانت شروط المنافسة مفتوحة بما يكفي لجذب عدد أكبر من المقاولات؟ وهل كان دفتر التحملات مصاغاً وفق حاجيات المشروع ومعايير موضوعية تضمن تكافؤ الفرص؟ الإجابة ينبغي أن تأتي من الوثائق والمساطر، لا من التخمينات السياسية.
حين تتقاطع الصفقة مع الخريطة الحزبية
تزداد حساسية الملف، وفق المعطيات المتداولة، عندما يتم ربط بعض المتدخلين في العملية بانتماءات سياسية متقاربة، الأمر الذي فتح الباب أمام حديث عن احتمال تداخل المصالح السياسية مع تدبير صفقة عمومية.
غير أن الانتساب إلى الحزب نفسه لا يشكل دليلاً على وجود مخالفة، كما أن فوز مقاولة مرتبطة سياسياً بمنتخب لا يثبت، لوحده، وجود توجيه للصفقة أو تمويل انتخابي.
لكن في المقابل، فإن تضارب المصالح، إن وجد، يجب أن يخضع للفحص المؤسساتي، خصوصاً عندما تكون الصفقة بمثل هذا الحجم المالي.
أما الحديث عن استعمال الصفقة لتمويل حملة انتخابية لفائدة مرشح بعينه، فهو ادعاء بالغ الخطورة يحتاج إلى أدلة مالية ومحاسبية وقضائية واضحة، ولا يجوز تحويله إلى حقيقة ثابتة بمجرد وجود علاقات أو انتماءات سياسية مشتركة.
وهنا بالضبط ينبغي أن تتدخل أجهزة الرقابة، ليس لإدانة أحد مسبقاً، وإنما لتقديم جواب واضح للرأي العام.
5.2 مليارات.. والكرة الآن في ملعب الرقابة
الملف، بحجمه المالي، يستحق أكثر من بيانات سياسية أو سجالات انتخابية، المطلوب اليوم هو إخضاع الصفقة، عند الاقتضاء، لافتحاص دقيق يشمل الدراسة التقديرية، دفتر التحملات، شروط المنافسة، محضر فتح الأظرفة، العرض المالي، مبررات الفارق بين التقديرات والمبلغ النهائي، معايير التنقيط، هوية المتدخلين في مسطرة الإسناد، ومراحل تنفيذ المشروع وأداء مستحقاته.
كما أن أي شبهة تتعلق بتضارب المصالح أو باستعمال المال العمومي في أغراض انتخابية ينبغي أن تترك للجهات المختصة مهمة التحقق منها وفق الوثائق والحسابات والمساطر القانونية، فالمال العام ليس مادة انتخابية، والصفقة العمومية ليست أداة لبناء النفوذ السياسي.
وإذا كانت الصفقة سليمة ومستوفية لجميع شروط المنافسة والشفافية، فإن نشر المعطيات المرتبطة بها وتوضيح الفوارق المالية سيقطع الطريق على التأويلات والشبهات، أما إذا كشفت عملية الافتحاص عن اختلالات، فإن ترتيب المسؤوليات يجب أن يتم وفق القانون، أياً كانت الأسماء أو الانتماءات.
في الرشيدية، السؤال اليوم ليس من ينتمي إلى أي حزب، وإنما: أين ذهبت أكثر من 52 مليون درهم؟ وكيف وصلت الكلفة إلى هذا المستوى؟ وهل مرت الصفقة فعلاً عبر منافسة نزيهة وشفافة؟
تلك أسئلة لا تجيب عنها الحملات الانتخابية، ولا البلاغات السياسية، وإنما تجيب عنها الوثائق، والافتحاص، والرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
والأهم أن مشروع تأهيل مولاي علي الشريف يجب أن يُقاس بما سينجز على الأرض لفائدة الساكنة، لا بما قد يحققه من مكاسب سياسية لأي طرف، فالصفقة العمومية تُبرم لخدمة المواطنين، وليس لصناعة المرشحين.
تعليقات الزوار