هبة زووم – الدار البيضاء
كلما قررت أسعار الخضر أن تحلق بعيداً عن القدرة الشرائية للمغاربة، يبدو أن هناك دائماً تفسيراً جاهزاً في الطريق: مرة الأمطار، ومرة الحرارة، ومرة ظروف السوق، وكأن المواطن مطالب في كل مرة بأن يتقبل ارتفاع الأسعار باعتباره قدراً لا يمكن مناقشته، لكن إلى متى ستظل الطبيعة هي المتهم الأول في كل أزمة للقدرة الشرائية؟
فأسعار الخضر تواصل ارتفاعها، وفق إفادات مواطنين ومهنيين، وسط موجة جديدة من الغضب الشعبي، بعدما أصبحت مجموعة من الخضر الأساسية تباع بأثمان تثقل كاهل الأسر، في وقت لم تعد فيه الزيادات استثناءً يطال مادة أو مادتين، وإنما شملت أصنافاً متعددة.
ويؤكد مواطنون أن أسعار عدد من الخضر سجلت ارتفاعات لافتة، حتى إن بعض الأصناف تجاوزت 15 درهماً للكيلوغرام، من بينها الفاصوليا الخضراء، في مشهد يعيد طرح السؤال القديم الجديد: أين تنتهي تكلفة الإنتاج والنقل والتوزيع، وأين يبدأ جشع المضاربة؟
داخل سوق الجملة للخضر والفواكه بمدينة الدار البيضاء، يقدم أحد المهنيين صورة عن الوضع الحالي، مؤكداً أن أسعار مجموعة من الخضر عرفت ارتفاعاً ملحوظاً.
وبحسب إفادته، وصل سعر البطاطس إلى حوالي 6 دراهم للكيلوغرام، وهو السعر نفسه تقريباً الذي سجلته الطماطم، بينما بلغ الباذنجان والفلفل حوالي 7 دراهم، ووصل الخيار إلى حدود 8 دراهم.
المهني ربط هذه الارتفاعات بموجة الحر التي تعرفها البلاد، باعتبارها عاملاً يؤثر في الإنتاج والعرض، لكن هنا تحديداً ينبغي ألا يتوقف النقاش، فالحرارة يمكن أن تكون عاملاً مؤثراً في الإنتاج، نعم، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى شماعة دائمة تعلق عليها كل زيادة في الأسعار.
إذا كانت موجة الحر هي السبب، فأين هي الأرقام التي توضح حجم تراجع الإنتاج؟ وما حجم تأثيره على العرض؟ وهل الزيادة التي تصل إلى المستهلك تتناسب فعلاً مع الزيادة في تكلفة الإنتاج؟ ثم ماذا عن الفارق بين السعر عند المنتج والسعر عند سوق الجملة والسعر الذي يصل به المنتج إلى المستهلك؟
المشكلة الحقيقية ليست فقط في ارتفاع الأسعار، وإنما في غياب الوضوح حول مسار السعر، المواطن لا يشتري من الفلاح مباشرة، ولا يملك القدرة على معرفة كم بيعت السلعة في الضيعة، وكم أصبحت في سوق الجملة، وكم أضيف إليها قبل أن تصل إلى بائع التقسيط.
وهنا تبرز أهمية الرقابة، فإذا كانت هناك اختلالات في سلاسل التوزيع، وإذا كان بعض الوسطاء يستغلون الظرف لرفع هوامش الربح، فمن مسؤولية الجهات المختصة أن تكشف ذلك، لا أن تكتفي بمراقبة الأسعار في آخر حلقاتها.
وبحسب عدد من العارفين بالسوق، فإن ضعف الدور الرقابي وترك المجال أمام المضاربة والوسطاء قد يكونان من العوامل التي تزيد الضغط على المستهلك.
وهذه ليست تهمة جاهزة ينبغي إطلاقها دون إثبات، وإنما سؤال يستحق جواباً رسمياً واضحاً: هل تتم مراقبة سلسلة توزيع الخضر من المنتج إلى المستهلك؟ ومن يراقب هوامش الربح؟ ومن يتدخل عندما ترتفع الأسعار بشكل لا يتناسب مع كلفة الإنتاج؟ وأين نتائج عمليات المراقبة والمخالفات إن كانت موجودة؟
المفارقة أن المواطن المغربي يجد نفسه في كل مرة أمام قائمة جديدة من المبررات، بينما يبقى السؤال الأساسي معلقاً: من يحمي القدرة الشرائية؟ فإذا ارتفعت الأسعار بسبب الأمطار، يفهم المواطن، وإذا ارتفعت بسبب الحرارة، قد يفهم، وإذا ارتفعت بسبب النقل أو المحروقات، قد يفهم أيضاً.
لكن ما يصعب عليه فهمه هو أن ترتفع الأسعار باستمرار، بينما تبقى آليات المراقبة والتدخل غير واضحة بالنسبة إليه، المواطن لا يريد محاضرة في الاقتصاد الزراعي، وإنما يريد أن يعرف لماذا أصبحت قفة الخضر تستنزف جزءاً متزايداً من دخله.
والأخطر أن الخضر ليست سلعة كمالية يمكن للأسرة الاستغناء عنها بسهولة. إنها جزء أساسي من المائدة اليومية، ولذلك فإن أي ارتفاع فيها يتحول مباشرة إلى ضريبة إضافية على الأسر، خصوصاً محدودي ومتوسطي الدخل.
لقد آن الأوان للخروج من منطق “الحرارة سببت الغلاء” إلى منطق أكثر جدية: تحديد الخلل بالأرقام، مراقبة الأسواق، تتبع هوامش الربح، ومحاربة كل أشكال المضاربة غير المشروعة إن ثبتت، فالطبيعة قد ترفع تكلفة الإنتاج، لكنها لا ينبغي أن تكون غطاءً لكل ما يحدث بعد خروج المنتوج من الحقل.
وفي النهاية، المواطن لا يطلب أسعاراً خيالية، بل يطلب سوقاً عادلة وشفافة، أما أن ترتفع الأسعار، ثم تأتي الحرارة والأمطار لتبريرها، فيما يظل المستهلك وحيداً في مواجهة “الشناقة” والوسطاء، فذلك يعني أن المشكلة لم تعد في الطقس وحده.
المشكلة في منظومة كاملة تحتاج إلى رقابة حقيقية، لأن قفة المغاربة ليست مختبراً لتجريب الأعذار، والقدرة الشرائية ليست مطية مفتوحة للغلاء.
تعليقات الزوار