كنزة قيوح و”توريث” الانتداب البرلماني: تجديد للنخب أم إعادة إنتاج للنفوذ؟

هبة زووم – أكادير
يبدو أن المشهد السياسي بجهة سوس مقبل على إعادة فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الحياة الحزبية المغربية: أزمة تجديد النخب، وحدود انتقال النفوذ السياسي من جيل إلى آخر داخل العائلات ذات الحضور الانتخابي.
وفي هذا السياق، يبرز اسم كنزة قيوح ليطرح نقاشاً يتجاوز شخصها بكثير، ويتعلق بسؤال أكبر: هل تنجح الأحزاب في إنتاج نخب جديدة عبر المنافسة والكفاءة والاستحقاق، أم أن “تجديد الوجوه” قد يتحول أحياناً إلى مجرد إعادة تدوير لنفس النفوذ السياسي بأسماء أكثر شباباً؟
لا أحد يمكنه أن يجادل في حق أبناء وبنات السياسيين في ممارسة العمل السياسي، فالانتماء إلى عائلة سياسية ليس تهمة، كما أن الكفاءة ليست حكراً على من لا ينحدرون من عائلات لها تاريخ في العمل الحزبي.
لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح الاسم العائلي رأسمالاً انتخابياً قائماً بذاته، وعندما يتحول النفوذ المتراكم إلى امتياز قابل للانتقال بين أفراد العائلة، فيما تصبح التزكية الحزبية هي الحلقة التي تسمح بتحويل هذا الامتداد الاجتماعي والسياسي إلى تمثيلية داخل المؤسسات المنتخبة.
هنا تحديداً يصبح السؤال أكثر إحراجاً: هل نحن أمام تجديد حقيقي للنخب السياسية، أم أمام تغيير للواجهة مع الاحتفاظ بمفاتيح النفوذ نفسها؟
الأحزاب السياسية تتحدث باستمرار عن الديمقراطية الداخلية، وتجديد النخب، وإفساح المجال أمام الشباب والنساء والطاقات الجديدة. لكن الاختبار الحقيقي لهذه الشعارات لا يكون في المؤتمرات ولا في الخطابات، وإنما عند لحظة إعداد لوائح المرشحين ومنح التزكيات.
فمن يقرر؟ وبأي معايير؟ هل الأولوية للكفاءة والخبرة والقدرة على الترافع والحضور الميداني؟ أم أن الاعتبارات الانتخابية، والامتداد العائلي، وحجم الشبكات الاجتماعية والسياسية، والقدرة على جلب الأصوات، تبقى عناصر حاسمة في صناعة المرشح؟
وإذا كانت الإجابة هي أن الكفاءة هي المعيار الأول، فإن من حق الرأي العام أن يعرف كيف جرى اختيار الوجوه الجديدة، وما هي المعايير الموضوعية التي اعتمدت في منح التزكيات.
أما أن تقدم الوجوه الجديدة باعتبارها عنواناً للتغيير، بينما تظل شبكات النفوذ القديمة حاضرة خلف الكواليس، فذلك لا ينتج بالضرورة تجديداً للنخب، وإنما قد ينتج ما يمكن وصفه بـ”تجديد الواجهة”.
والأكثر إثارة للجدل أن خطاب الديمقراطية وتجديد النخب يفقد الكثير من قوته عندما تصبح المبادئ قابلة للتأويل بحسب الظرف الانتخابي، وحين تتغير الاصطفافات والمواقف تبعاً لخريطة التزكيات والمقاعد المحتملة.
السياسة ليست إرثاً عائلياً، والبرلمان ليس سجلاً عقارياً تنتقل ملكيته من الأب إلى الابنة أو من الزعيم إلى وريثه السياسي، والمقعد البرلماني تفويض انتخابي، وليس امتيازاً عائلياً.
وحتى عندما يكون المرشح الجديد صاحب كفاءة حقيقية، فإن الطريق الديمقراطي السليم يقتضي أن تكون هذه الكفاءة هي التي تبرر الاختيار، لا مجرد الانتماء إلى اسم سياسي معروف.
ومن هنا، فإن الجدل الذي قد يرافق اسم كنزة قيوح لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة لشخصها، وإنما إلى مناسبة لطرح سؤال أكبر على الأحزاب السياسية بجهة سوس وغيرها: هل التزكية تُمنح باعتبارها مكافأة على الامتداد والنفوذ، أم باعتبارها مسؤولية تفرض على الحزب تقديم الأكفأ والأقدر على تمثيل المواطنين؟
فالناخب في النهاية ليس مجرد رقم داخل آلة انتخابية، ولا يفترض أن يكون مطالباً بالتصويت لاسم لأنه ينحدر من عائلة معروفة، إنه صاحب القرار النهائي، وبينما قد تستطيع الأحزاب تغيير الألوان والشعارات والوجوه، يظل السؤال الأكثر صعوبة هو: هل تغيرت فعلاً طريقة صناعة النخب؟
فإذا كان الجواب نعم، فلتكن المعايير واضحة وشفافة وقابلة للنقاش. وإذا كان الأمر مجرد انتقال للنفوذ من جيل إلى آخر تحت عنوان “الوجوه الجديدة”، فإن الحديث عن تجديد النخب سيظل مجرد شعار انتخابي جميل، بينما يستمر الديكور السياسي نفسه خلف واجهة جديدة.
وفي نهاية المطاف، لا أحد يرث المقعد البرلماني؛ الناخب هو من يمنحه، والحصيلة هي التي تمنح صاحبها شرعية الاستمرار.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد