من المستشفى إلى الضرائب.. لقجع يقدم وصفة البام والمواطن يسأل عن فاتورة التنفيذ

هبة زووم – تيزنيت
في لقاء تواصلي بمدينة تزنيت، اختار فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن يرفع واحداً من أكثر الشعارات السياسية حساسية: العمل السياسي ليس طريقاً إلى الوظائف والتعيينات، وإنما مسؤولية وخدمة للمواطن والوطن.
كلام قوي في صياغته، لكنه يفتح تلقائياً باباً أوسع للأسئلة، لأن السياسة لا تُقاس فقط بما يقوله السياسيون عن المبادئ، وإنما بما يحدث عندما تتحول تلك المبادئ إلى ممارسة وتدبير ومسؤوليات وقرارات.
لقجع قال بوضوح إن المسؤولية لا ينبغي أن تكون غاية في حد ذاتها، وإن من يتحمل منصباً يجب أن يكون في مستوى المسؤولية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: من يستحق المنصب؟ بل أيضاً: ما هي المعايير التي يتم على أساسها اختيار من يصلون إلى مواقع المسؤولية؟ وكيف تتم محاسبة من يفشلون في أداء المهام الموكولة إليهم؟ فالمغاربة لا يعانون من ندرة الخطابات حول المسؤولية، بقدر ما يعانون من سؤال الحصيلة.
السياسة ليست وظيفة.. ولكنها أيضاً ليست مجرد خطاب
حين يقول لقجع إن السياسة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للحصول على الوظائف والتعيينات، فإنه يلامس واحدة من أكثر النقاط حساسية في علاقة المواطن بالأحزاب.
لكن هذا الطرح يصبح أكثر قوة عندما يقترن بآليات واضحة تضمن الشفافية في التعيينات، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتحول عبارة “الكفاءة والاستحقاق” بدورها إلى شعار فضفاض.
فالمواطن يريد أن يعرف: من يقرر؟ وفق أي معايير؟ ومن يحاسب؟ وماذا يحدث عندما لا تتحقق النتائج؟ هذه الأسئلة لا يمكن تجاوزها بخطاب انتخابي، مهما كانت قوة صاحبه أو حضوره.
برنامج البام.. 350 ملياراً وأسئلة الحساب
لقجع قدم برنامج حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره برنامجاً “في المتناول”، يقوم على محورين اجتماعي واقتصادي، غير أن الجزء الأكثر إثارة للنقاش يتعلق بكلفة البرنامج وتمويله.
فبحسب الأرقام التي عرضها لقجع، تصل كلفة البرنامج إلى نحو 350 مليار درهم، فيما قدر الكلفة السنوية بحوالي 70 مليار درهم، مقدماً حسابات تربط بين ارتفاع المداخيل الضريبية وانخفاض العجز لتوفير الموارد اللازمة، وهنا تحديداً يجب أن تتوقف الحملة الانتخابية قليلاً، ويبدأ النقاش التقني.
فالأرقام الكبيرة لا تصبح سياسات عمومية بمجرد إعلانها. المواطن يحتاج إلى معرفة تفاصيل أكثر: ما هي الإجراءات التي ستكلف 70 مليار درهم سنوياً؟ ما هي الأولويات؟ ما هي الآجال؟ ما هي مصادر التمويل الدقيقة؟ وهل هذه الموارد مضمونة في حال تغيرت الظروف الاقتصادية؟
البرنامج الانتخابي الجاد لا يكتفي بتحديد ما يريد فعله، بل يشرح كيف سيموله، ومتى سينفذه، وكيف يمكن قياس نتائجه.
الدولة الاجتماعية.. المواطن لا يريد خطاباً بل طبيباً
في حديثه عن الدولة الاجتماعية، وضع لقجع القدرة الشرائية، ووضعية المتقاعدين والأجراء والموظفين، وارتفاع الأسعار ضمن الملفات التي تحتاج إلى تصحيحات.
كما أكد أن الدولة الاجتماعية لا تختزل في الدعم المباشر والتغطية الصحية، وإنما تشمل المدرسة والصحة والخدمات العمومية، وهنا أصاب الخطاب جوهر المشكلة: المواطن المغربي لا يطلب المستحيل.
المواطن يريد، كما قال لقجع، أن يدخل المستشفى فيجد طبيباً يستقبله ويقدم له العلاج. لكنه يريد أيضاً أن يجد الدواء، وأن لا يقضي ساعات طويلة في الانتظار، وأن يحصل أبناؤه على تعليم جيد، وأن تكون الإدارة في خدمته لا أن يتحول هو إلى طالب دائم للخدمة، وهذا هو الفارق بين الدولة الاجتماعية كشعار والدولة الاجتماعية كواقع يومي.
300 ألف شاب.. الرقم الذي لا يحتمل المزيد من الانتظار
لقجع تحدث كذلك عن مغادرة حوالي 300 ألف شاب للمدرسة سنوياً، وفق الإحصائيات التي قدمها، محذراً من تداعيات عدم تأهيل هؤلاء للاندماج في سوق الشغل، لكن هذا الرقم، إذا صح وفق مصدره ومنهجيته، لا ينبغي أن يمر في خطاب انتخابي كرقم عابر.
خلف كل شاب يغادر المدرسة توجد أسرة، وخلف كل شاب بلا تأهيل توجد كلفة اجتماعية واقتصادية، وخلف كل سنة تأخير تتراكم المشكلة، وفي المقابل، يتحدث رجال الأعمال عن صعوبة العثور على يد عاملة مؤهلة.
إذن أين الخلل؟ إذا كان الاقتصاد يبحث عن اليد العاملة، والشباب يبحث عن العمل، فلماذا لا تلتقي المدرستان: مدرسة التكوين ومدرسة سوق الشغل؟ السؤال يحتاج إلى سياسة واضحة، لا إلى تشخيص جديد للمشكلة.
من الترخيص إلى التصريح.. هل تكفي الوصفة لتحرير الاقتصاد؟
لقجع دعا إلى تحرير الطاقات الاقتصادية للشباب، والانتقال في عدد من المجالات من منطق الترخيص إلى التصريح، بهدف تسهيل إنشاء المشاريع.
وهو طرح يضع الإدارة أمام امتحان حقيقي، لأن تسهيل الاستثمار لا يمر فقط عبر تغيير المصطلحات القانونية، بل يحتاج إلى إدارة فعالة، ومساطر واضحة، وآجال محددة، وتكافؤ في الولوج إلى الفرص، وحماية للمنافسة.
أما المستثمر الذي يظل حائراً بين الإدارات والمساطر، فلن تقنعه كثرة الحديث عن الثقة، الثقة تُبنى عندما يعرف المستثمر قواعد اللعبة، ويعرف المواطن أيضاً أن القواعد نفسها تطبق على الجميع.
الامتحان الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات
في نهاية اللقاء، قدم لقجع صورة لبرنامج يريد أن يجمع بين الدولة الاجتماعية والتحفيز الاقتصادي، وبين إصلاح الخدمات العمومية وتحرير المبادرة.
لكن المشهد الانتخابي المغربي شهد، على مدى سنوات، ما يكفي من البرامج الطموحة والوعود الكبيرة، المشكلة لم تعد في العثور على برنامج، وإنما في العثور على برنامج يمكن تنفيذه ومحاسبة أصحابه عليه.
ولذلك فإن الرسالة الأهم في خطاب لقجع قد تكون العبارة التي بدأ بها: السياسة ليست وسيلة للحصول على المناصب.
لكن المنطق نفسه يقود إلى سؤال آخر أكثر إزعاجاً: إذا كانت السياسة مسؤولية وليست وظيفة، فهل ستصبح البرامج الانتخابية بدورها التزاماً سياسياً يخضع أصحابها للمساءلة، أم ستظل مجرد جسر للوصول إلى المسؤولية؟
المواطن لا يحتاج إلى مزيد من الوعود المصقولة، ولا إلى أرقام ضخمة تُلقى من فوق المنصات، إنه يحتاج إلى إجابات محددة: ماذا ستفعلون؟ كم سيكلف؟ من أين ستأتون بالمال؟ متى ستنفذون؟ وماذا سيحدث إذا لم تحققوا ما وعدتم به؟
هناك فقط تتحول السياسة من خطاب انتخابي إلى مسؤولية عمومية حقيقية، أما دون ذلك، فتبقى المسافة واسعة بين السياسة التي تقول إنها خدمة للمواطن، والسياسة التي لا يكتشف المواطن حقيقتها إلا بعد انتهاء الانتخابات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد