بركان: مزاعم دعم مرشح الأحرار والاستقلال تضع العامل الشنوري أمام سؤال الحياد الانتخابي
هبة زووم – محمد أمين
لم يعد يفصل المغرب عن موعد الحسم الانتخابي سوى ثلاثة أيام، قبل أن تتجه الأنظار، يوم 23 شتنبر، إلى صناديق الاقتراع، حيث ستنتقل المنافسة من فضاء الحملات والخطابات والوعود إلى امتحان الأصوات والنتائج، وفي مقدمة الدوائر التي تفرض نفسها على المشهد الانتخابي، تأتي بركان بما تحمله من تنافس حزبي وحسابات محلية متشابكة.
لكن قبل أن يتكلم الصندوق، بدأت أسئلة أخرى تفرض نفسها بقوة: هل تجري المنافسة في شروط متكافئة؟ وهل يظل الحياد الإداري قاعدة غير قابلة للتأويل؟ وأين تنتهي العلاقات السياسية وتبدأ مسؤولية الإدارة في ضمان تكافؤ الفرص؟
هذه الأسئلة تزداد حساسية كلما ارتبطت بأسماء وازنة داخل المشهد المحلي، وفي مقدمتها العامل عبد الحميد الشنوري، إلى جانب عدد من الوجوه السياسية والانتخابية التي تدخل السباق بأرصدة وتجارب سابقة.
وبالنسبة إلى الاستقلالي محمد بنعبدالله، فإن دخوله غمار الاستحقاق ليس دخول وجه انتخابي مجهول يحتاج إلى تقديم نفسه للناخبين من الصفر، فقد سبق للرجل أن خاض تجربة برلمانية، كما ارتبط اسمه بتجربة رياضية وحضور في المشهد المحلي، غير أن العودة إلى السباق الانتخابي تفرض بالضرورة إعادة وضع الحصيلة السابقة تحت المجهر.
فالانتخابات لا تمنح المرشح حصانة من المساءلة، كما أن تجربة الجلوس تحت قبة البرلمان لا تعني تلقائياً أن الحصيلة كانت في مستوى انتظارات الناخبين. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا بسيط ومباشر: ماذا قدم المرشح خلال ولايته السابقة، وما الذي تغير على أرض الواقع؟
أما محمد الصديقي، الوزير السابق للفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، والمرشح باسم حزب التجمع الوطني للأحرار، فيعود إلى السباق الانتخابي محملاً بتجربة حكومية تجعل مساءلته أكثر منطقية، لا أقل.
فالوزارة التي تولى مسؤوليتها ليست قطاعاً هامشياً، بل واحدة من أكثر القطاعات ارتباطاً بالاقتصاد القروي والفلاحين والماء والاستثمار الفلاحي وسلاسل الإنتاج والأسواق.
ومن هنا، فإن أي خطاب انتخابي حول محاربة المضاربين والوسطاء في الأسواق أو الدفاع عن الفلاح والمستهلك لا يمكن فصله عن حصيلة السياسات العمومية التي دُبرت خلال سنوات تولي الحزب مسؤولية القطاع.
وإذا كانت قضية “الفراقشية” والمضاربين حاضرة في الخطاب الانتخابي، فإن السؤال الذي ينتظر أجوبة واضحة هو: ما الذي فعلته حكومة أخنوش، ومن ضمنها الفريق الذي كان الصديقي جزءاً منه، للحد من هوامش المضاربة وحماية المنتج والمستهلك معاً؟
فالمواطن لا يحتاج إلى خطابات أخلاقية بقدر ما يحتاج إلى أرقام ومعطيات ونتائج: أسعار، هوامش ربح، مراقبة الأسواق، مسالك التوزيع، وضعية الفلاح الصغير، وكلفة الإنتاج، أما الحديث عن “حماية الفلاح” فلا ينبغي أن يبقى شعاراً موسمياً يظهر قبل صناديق الاقتراع ويختفي بعدها.
وفي المقابل، فإن الحديث عن دعم مسؤول إداري لمرشح سياسي، أو توظيف موقع إداري لصالح جهة انتخابية، يظل من أخطر الملفات التي تستوجب التثبت والتوثيق، لأن حياد الإدارة ليس تفصيلاً انتخابياً، بل شرطاً أساسياً لنزاهة العملية برمتها.
وإذا كانت هناك معطيات أو وقائع محددة تفيد بوجود تدخل إداري لصالح مرشح بعينه، فإن مكانها الطبيعي ليس الإشاعة الانتخابية، وإنما الجهات المختصة والآليات القانونية القادرة على التحقيق والتحقق وترتيب المسؤوليات إن ثبتت المخالفات، أما إطلاق الأحكام قبل تقديم الأدلة، فيخدم الفوضى أكثر مما يخدم الديمقراطية.
بركان اليوم أمام امتحان مزدوج: امتحان المرشحين وحصائلهم من جهة، وامتحان شروط المنافسة الانتخابية من جهة أخرى، فالناخب لا يصوت فقط على الأسماء، وإنما يملك حق مساءلتها عن ماضيها، وعن الوعود التي قطعتها، وعن قدرتها على الدفاع عن مصالح الإقليم داخل المؤسسة التشريعية.
وبالموازاة مع ذلك، تبقى الإدارة مطالبة بالمسافة نفسها من جميع المتنافسين، لأن الصندوق يجب أن يكون وحده صاحب الكلمة الأخيرة، وفي 23 شتنبر، ستسقط الكثير من الشعارات أمام حقيقة واحدة: عدد الأصوات.
وعندها لن يكون السؤال من امتلك أكبر ماكينة انتخابية أو أقوى شبكة علاقات، بل من استطاع إقناع الناخب بأن صوته يستحق أن يُمنح له، أما أي حديث عن استعمال النفوذ أو اختلال الحياد، فالمعيار فيه ليس حجم الضجيج الانتخابي، وإنما الدليل والتحقيق والمساءلة.