مخيمات تندوف تحت مجهر مجلس حقوق الإنسان وسط مطالب بآليات أممية مستقلة للحماية

هبة زووم – جنيف
شهدت أشغال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، المنعقدة بجنيف، نقاشاً حول وضع حقوق الإنسان في مخيمات تندوف، بعدما دعت منظمات غير حكومية إلى تعزيز آليات الحماية، وضمان الولوج إلى سبل الانتصاف، وإتاحة إمكانية إجراء تقييم مستقل لأوضاع السكان داخل المخيمات.
وتندرج هذه المداخلات ضمن النقاش العام المخصص لتعزيز وحماية مختلف حقوق الإنسان، المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك الحق في التنمية. وكانت الدورة الـ63 قد انطلقت في جنيف يوم 7 شتنبر 2026، وتمتد إلى 7 أكتوبر المقبل.
وفي مداخلة باسم «مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان»، عبّر رئيس المؤسسة، أيمن عقيل، عن مخاوف بشأن ما وصفه بانتهاكات تنسب إلى جبهة البوليساريو بحق سكان المخيمات، متحدثاً، وفق إفادته، عن حالات احتجاز تعسفي وتعذيب وقيود مفروضة على المظاهرات والاحتجاجات السلمية.
كما أثار عقيل مسألة الولوج الدولي إلى المخيمات، وقال إن المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان وخبراء حقوق الإنسان لم يتمكنوا من الوصول إليها، داعياً إلى تمكين الآليات الأممية من إجراء تقييم مستقل لوضع حقوق الإنسان هناك.
وتأتي هذه الدعوة في سياق أوسع سبق أن أثاره لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان بخصوص مخيمات تندوف. ففي ملاحظاتها الختامية بشأن الجزائر، أعربت اللجنة عن قلقها إزاء التفويض الفعلي لبعض الصلاحيات إلى جبهة البوليساريو، ولا سيما الصلاحيات القضائية، كما أثارت مسألة عدم توفر ضحايا انتهاكات مزعومة في المخيمات على سبل انتصاف فعالة أمام المحاكم الجزائرية، داعية إلى ضمان الحرية والأمن والولوج إلى سبل الانتصاف لجميع الأشخاص الموجودين على الأراضي الجزائرية، بمن فيهم سكان مخيمات تندوف.
ومن جهته، تحدث الفاضل بوي دا محمد، في مداخلة باسم **الشبكة الإفريقية للتنمية والحكامة وحقوق الإنسان**، عن ما اعتبره تدهوراً في وضع حقوق الإنسان بمخيمات تندوف، مركزاً على القيود المفروضة، بحسب إفادته، على حرية التنقل.
وأشار المتحدث إلى إجراءات قال إنها تطال سكان المخيمات، من بينها حظر للتجول ليلاً، واشتراط تراخيص فردية لمغادرة المخيمات في أيام محددة، فضلاً عن اشتراط تراخيص مسبقة للولوج إليها. كما اتهم جبهة البوليساريو بشن حملات اعتقال تستهدف معارضين وفاعلين في مجال الرأي، وتحدث عن مزاعم بشأن التعذيب والاختفاء القسري والحرمان من المساعدات الغذائية.
وهذه المعطيات تظل، في سياق المداخلات المذكورة، اتهامات وشهادات قدمها متحدثون باسم منظمات غير حكومية، ولا تشكل بحد ذاتها قراراً صادراً عن مجلس حقوق الإنسان بشأن الوقائع موضوعها.
وتطرق بوي دا محمد كذلك إلى ما وصفه بالضغوط التي تستهدف صحافيين ونشطاء يقيمون خارج المخيمات وأفراداً من أسرهم، داعياً إلى فتح تحقيق مستقل بشأن وضع حقوق الإنسان، وضمان حرية التنقل والتعبير والولوج إلى العدالة.
وفي مداخلة أخرى، ركزت عائشة الدويهي، باسم منظمة النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية «PDES»، على أهمية تعزيز الحماية الحقوقية في سياقات النزوح المطول، معتبرة أن استمرار الأوضاع الإنسانية الهشة يستدعي الانتقال من مجرد تدبير الاحتياجات إلى توفير ضمانات حماية فعلية ومستدامة. وكانت الدويهي قد دعت في جلسات سابقة خلال الدورة نفسها إلى تمكين آليات الأمم المتحدة من الولوج المنتظم والمستقل إلى مخيمات تندوف، وإحداث آليات فعالة ومستقلة لتلقي الشكايات وضمان سبل الانتصاف.
وفي السياق ذاته، أثارت الدويهي عوامل أخرى مرتبطة بهشاشة السكان في أوضاع النزوح المطول، من قبيل الفقر والتهميش والتمييز ومحدودية الولوج إلى العدالة، محذرة من أن المساعدة الإنسانية، رغم ضرورتها، لا تكفي بمفردها لمعالجة الظروف البنيوية المؤثرة في التمتع الفعلي بالحقوق.
وشددت على أهمية إشراك السكان المتضررين في القرارات التي تمس حقوقهم ومستقبلهم، إلى جانب ضمان الولوج إلى المعلومات وسبل الانتصاف، وربط الحماية الحقوقية بالحق في التنمية باعتباره عاملاً للحد من الهشاشة وتعزيز قدرات الأفراد والمجتمعات.
وتتقاطع هذه المطالب مع مواقف أممية سابقة بشأن ضرورة ضمان سبل انتصاف فعالة لسكان مخيمات تندوف. فقد خلصت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في قضية فردية، إلى وجود انتهاكات للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في قضية مرتبطة بالاحتجاز والاختفاء، وجددت تأكيدها على ضرورة ضمان الولوج إلى سبل انتصاف فعالة للأشخاص الموجودين في مخيمات تندوف.
ويضع هذا النقاش ملف مخيمات تندوف أمام مسألة محورية تتعلق بمدى توفر آليات مستقلة وفعالة لرصد أوضاع حقوق الإنسان، والتحقيق في الادعاءات المتعلقة بالانتهاكات، وضمان قدرة الضحايا المحتملين على الوصول إلى العدالة والانتصاف.
وفي المقابل، تظل المداخلات التي قدمتها المنظمات غير الحكومية خلال جلسات مجلس حقوق الإنسان مواقف وشهادات مقدمة إلى المجلس، وليست أحكاماً قضائية أو قرارات نهائية صادرة عن المجلس تثبت جميع الادعاءات الواردة فيها.
ومع استمرار الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان إلى غاية 7 أكتوبر 2026، يبقى ملف الحماية الحقوقية في أوضاع النزوح المطول، بما في ذلك مخيمات تندوف، حاضراً ضمن نقاشات المنظمات غير الحكومية والآليات الأممية، خصوصاً في ما يرتبط بالولوج المستقل إلى السكان، وحرية التنقل والتعبير، والعدالة وسبل الانتصاف والحق في التنمية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد