هبة زووم – الرباط
يبدو أن شعار “المدرسة الرائدة” بدأ، في بعض جوانبه الميدانية، يفتح أبواباً لأسئلة لا علاقة لها بجودة التعلمات ولا بتطوير الممارسات التربوية، وإنما بطريقة تدبير مشروع يفترض أن تكون له لوجستيكاته ووسائله وإمكاناته.
فوفق ما يتداول في أوساط تربوية ونقابية، يجد بعض مديري المؤسسات التعليمية أنفسهم أمام وضع غير مفهوم: عوض أن يتفرغ المدير لتدبير المؤسسة، وتتبع العملية التعليمية، ومواكبة الأطر والمتعلمين، وتأمين السير العادي للدراسة، يصبح مطالباً بالمساهمة في نقل عدة وتجهيزات «المدرسة الرائدة» إلى فرعيات ومؤسسات تقع في مناطق نائية.
وهنا تبرز العبارة التي تختصر حجم المفارقة بسخرية مريرة: “دير دفيعة الله يرحم الوالدين»! فهل هذه هي الطريقة التي يفترض أن ينزل بها مشروع إصلاح المدرسة العمومية؟ وهل أصبح المدير مطالباً بتوظيف سيارته، وتحمل مصاريف الوقود، وتسخير إمكاناته الخاصة، بل وربما اللجوء إلى أحد المحسنين أو أصحاب الشاحنات لنقل تجهيزات مرفق عمومي؟
إذا صحت هذه المعطيات، فإن المسألة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد “مساعدة” عابرة أو مبادرة تضامنية، لأن الأمر يتعلق بموارد وتجهيزات مرتبطة بمشروع رسمي تشرف عليه وزارة التربية الوطنية، فأين هو التدبير اللوجستيكي للمديريات الإقليمية؟ وأين هي وسائل النقل المخصصة لإيصال التجهيزات إلى المؤسسات والفرعيات في الآجال المناسبة؟
الإصلاح التربوي لا يمكن أن يقوم على منطق “دبر راسك”، ولا يمكن أن تتحول روح المسؤولية التي يتحلى بها مديرو المؤسسات إلى مبرر لتحميلهم تكاليف ومهام إضافية لا تدخل في صميم اختصاصاتهم، والأكثر إثارة للقلق أن الأمر لا يتعلق فقط بالمال الذي قد يضطر المدير إلى إنفاقه من جيبه، وإنما أيضاً بالزمن المدرسي.
فالمدير الذي يغادر مؤسسته من أجل البحث عن وسيلة نقل أو مرافقة تجهيزات نحو فرعية بعيدة، أو ينشغل بترتيبات يفترض أن تتكفل بها المصالح الإدارية المختصة، يكون عملياً بعيداً عن جزء من مهامه الأساسية. وفي المقابل، قد يجد الأساتذة والمتعلمون أنفسهم أمام ارتدادات مباشرة لا علاقة لهم بها.
وهنا ينبغي أن يطرح المسؤولون سؤالاً أكثر جدية: هل تم التفكير في الجانب اللوجستيكي للمدرسة الرائدة بنفس الجدية التي تم بها إعداد مضامينها التربوية؟ لأن توفير المعدات شيء، وإيصالها في الوقت المناسب إلى حيث يجب أن تكون شيء آخر تماماً.
وإذا كانت الوزارة تريد فعلاً إنجاح هذا الورش، فإن عليها أن تتعامل مع اللوجستيك باعتباره جزءاً من المشروع وليس تفصيلاً يمكن تركه للمبادرات الفردية. فالمؤسسة التعليمية ليست ورشة خيرية، ومديرها ليس سائقاً خاصاً، ولا يفترض أن يتحول راتبه أو سيارته أو وقوده إلى مورد غير معلن لتنفيذ البرامج العمومية.
كما أن الحديث عن “المدرسة الرائدة” يقتضي مساءلة المسؤولين عن كيفية تدبير الموارد المرتبطة بها: من يتكفل بالنقل؟ ما هي الآليات المعتمدة؟ هل توجد اعتمادات مخصصة لذلك؟ وهل تم تحديد المسؤوليات بين الوزارة والأكاديميات والمديريات والمؤسسات بشكل واضح؟
وإذا كانت النقابات قد سبق أن نبهت إلى مظاهر من هذا النوع، فإن تجاهل هذه التنبيهات لن يخدم المشروع، بل قد يزيد منسوب الاحتقان داخل المؤسسات التعليمية. فالإنصات إلى رجال ونساء التعليم ليس تنازلاً، وإنما جزء من الحكامة الضرورية لأي إصلاح.
المطلوب اليوم ليس المزيد من الشعارات حول مدرسة “رائدة”، وإنما تدبير رائد أيضاً: تخطيط مسبق، وسائل لوجستيكية، تحديد واضح للمسؤوليات، واحترام للمهام الأساسية للأطر الإدارية والتربوية.
أما أن تصل التجهيزات إلى الفرعيات بمنطق “دير دفيعة الله يرحم الوالدين”، وأن يصبح المدير مطالباً بالبحث عن شاحنة أو تحمل مصاريف النقل من ماله الخاص، فذلك يطرح سؤالاً بسيطاً ومشروعاً: هل نحن أمام مدرسة رائدة فعلاً، أم أمام مشروع إصلاحي يجري تحميل جزء من كلفته لمن يفترض أنهم أول من يجب أن توفر لهم الوزارة شروط العمل؟
فالمدرسة الرائدة لا يمكن أن تكون رائدة في المناهج، ومتأخرة في التدبير؛ ولا يمكن أن يُطلب من المدير أن يكون في الوقت نفسه مديراً تربوياً، ومدبراً إدارياً، ومسؤولاً لوجستيكياً، وسائقاً، وممولاً من جيبه.
البلاغات لا تكفي.. المطلوب جواب واضح: من يتحمل مسؤولية نقل عدة المدرسة الرائدة إلى الفرعيات، ومن يحاسب عندما يتحول نقص اللوجستيك إلى عبء على المدير والزمن المدرسي؟
تعليقات الزوار