من الشارع إلى الصندوق.. اليحياوي يقرأ انتخابات 23 شتنبر من زاوية “المقاطعة الصامتة”

هبة زووم – الرباط
لم تنتهِ انتخابات 23 شتنبر بإغلاق صناديق الاقتراع وإعلان النتائج الأولية، بل بدأت معها معركة أخرى حول ما تعنيه الأرقام، وما الذي تقوله نسبة المشاركة عن علاقة المغاربة بالسياسة وبالمؤسسات المنتخبة.
وفي تدوينة جديدة، يعود الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى قراءة المشهد من زاوية مختلفة، معتبراً أن “حزب المقاطعين” هو الذي سجل حضوره الأقوى في هذه الانتخابات، وأن ملايين المغاربة اختاروا عدم الذهاب إلى مكاتب التصويت دون أن يعلنوا ذلك في الشارع أو عبر حملات علنية.
وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة بالنظر إلى الرقم الرسمي للمشاركة. فقد أعلنت وزارة الداخلية أن نسبة التصويت النهائية بلغت 38.02 في المائة، من أصل أكثر من 15.8 مليون ناخب مسجل، مقابل حوالي 50 في المائة في انتخابات 2021. وهذا يعني أن عدد الذين لم يدلوا بأصواتهم يقترب من عشرة ملايين مسجل.
لكن اليحياوي لا يتعامل مع هذه الأرقام باعتبارها مجرد «عزوف» إحصائي، بل يمنحها معنى سياسياً، ويعتبر أن المقاطعة الحقيقية لم تكن بالضرورة تلك التي جاهر أصحابها بالدعوة إليها، وإنما تلك التي مارسها مواطنون لم يذهبوا أصلاً إلى صناديق الاقتراع.
ويقول الباحث إن السلطة، بحسب روايته، تعاملت خلال المرحلة الانتخابية مع من دعوا علناً إلى المقاطعة، بينما لم تنتبه إلى أن «المقاطعين الحقيقيين» اختاروا الصمت، لا الاحتجاج العلني، وفضلوا البقاء بعيداً عن مراكز الاقتراع.
وهنا تبرز نقطة تستحق التوقف: هل كل من لم يصوت قاطع الانتخابات لأسباب سياسية؟ الإجابة ليست بالضرورة. فعدم التصويت قد يرتبط بأسباب سياسية، لكنه قد يكون أيضاً نتيجة اللامبالاة، أو عدم التسجيل، أو ظروف شخصية، أو عدم الاقتناع بالمرشحين، أو أسباب اجتماعية وجغرافية مختلفة. لذلك فإن تحويل كل الممتنعين عن التصويت إلى «حزب سياسي» يبقى قراءة تحليلية لا نتيجة إحصائية رسمية.
غير أن أهمية الرقم لا يمكن تجاهلها، فانتخابات 23 شتنبر أفرزت نسبة مشاركة هي الأدنى منذ سنوات، في وقت كانت فيه الأحزاب تتنافس على تقديم برامج ووعود واستقطاب الناخبين. وبينما اختار 38.02 في المائة من المسجلين الإدلاء بأصواتهم، بقيت أغلبية المسجلين خارج العملية الانتخابية.
ومن هنا ينقل اليحياوي النقاش من من فاز بالمقاعد؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: من يشعر أصلاً بأن الانتخابات قادرة على تغيير حياته أو التأثير في القرار العمومي؟
ويذهب الباحث إلى أن جزءاً من المواطنين بات مقتنعاً، وفق قراءته، بأن القرار السياسي لا يصنع بالكامل داخل البرلمان، ولا يتوقف فقط على الحزب الذي سيشكل الحكومة، بل إن هناك، بحسب تعبيره، “مكاناً آخر” تتخذ فيه القرارات قبل أن تصل إلى المؤسسات المنتخبة.
وهذه النقطة تحديداً تحمل مضموناً سياسياً بالغ الحساسية، لأنها تنتقل من نقد أداء الأحزاب والبرلمان إلى التشكيك في مدى تأثير المؤسسات المنتخبة في صناعة القرار، لكنها، في الوقت نفسه، تبقى قراءة سياسية لليحياوي وليست حقيقة مثبتة بشأن وجود جهة محددة تتخذ القرارات خارج المؤسسات.
فالانتخابات المغربية لها مسار دستوري ومؤسساتي محدد، كما أن الفصل 30 من الدستور ينص على حق المواطنين في التصويت والترشح، بينما يحدد الفصل 47 مسار تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب.
غير أن وجود المؤسسات والقواعد الدستورية لا يلغي سؤالاً آخر: ما حجم الثقة الفعلية التي تحظى بها هذه المؤسسات لدى المواطنين؟
فالانتخابات لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي يحصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما أيضاً بمدى استعداد المواطنين للمشاركة فيها، وبمدى اقتناعهم بأن أصواتهم يمكن أن تحدث فرقاً.
ومن هذه الزاوية، فإن نسبة المشاركة في 2026 تفرض على الأحزاب والمؤسسات أكثر من مجرد الاحتفال بالنتائج، إنها تفرض السؤال عن أسباب ابتعاد ملايين المسجلين عن صناديق الاقتراع، وعن مدى ارتباط ذلك بصورة الأحزاب، وبالحصيلة الحكومية السابقة، وبجودة البرامج الانتخابية، وبمصداقية المرشحين، وبقدرة البرلمان على ممارسة وظيفته الرقابية والتشريعية.
اليحياوي يذهب أبعد من ذلك عندما يربط السياسة بما يسميه «التعيين والصفقات وتبييض السجلات»، ويعتبر أن هامش المناورة بالنسبة لبعض الفاعلين ينحصر في البحث عن مواقع أو مصالح.
هذه اتهامات وتفسيرات سياسية شديدة القوة، لكنها تحتاج، إذا أريد تقديمها كوقائع، إلى أدلة وملفات محددة، لا إلى التعميم.
أما قوله إن السياسة في المغرب لا تمارس باعتبارها “شأناً عاماً” وإن بعض السياسيين يتعاملون معها بمنطق مختلف، فهو يعيد النقاش إلى واحدة من أكبر معضلات الحياة الحزبية: هل أصبحت السياسة بالنسبة إلى المواطن وسيلة للمشاركة في صناعة القرار، أم مجرد موسم انتخابي يتجدد كل بضع سنوات؟
واللافت أن انتخابات 23 شتنبر جاءت في سياق كانت فيه قضية الثقة السياسية والمشاركة الانتخابية حاضرة بقوة في النقاش العمومي، وهو ما انعكس في مستوى الإقبال على صناديق الاقتراع. وقد أشارت تقارير وتحليلات انتخابية إلى أن ضعف المشاركة يمثل تحدياً للعلاقة بين المواطنين والمؤسسات المنتخبة.
أما وصف اليحياوي لبعض المنتخبين بأنهم “فراقشية” أو يحملون “مواصفات الفراقشية”، فهو تعبير سياسي حاد يخصه، ولا يمكن تعميمه على البرلمان الجديد دون أدلة فردية وقضائية أو مؤسساتية، لكن خلف هذا التعبير القاسي توجد مسألة أكثر جدية: كيف يمكن رفع مستوى جودة النخب المنتخبة؟
ذلك لا يتحقق فقط بتغيير الأشخاص، وإنما أيضاً بتطوير الأحزاب لآليات اختيار مرشحيها، ورفع مستوى التكوين السياسي والبرلماني، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز شفافية التمويل الانتخابي، ومراقبة تضارب المصالح، وإعطاء البرامج السياسية مكانتها الحقيقية بدل اختزال الانتخابات في الحملات والصور والوعود.
فالـ9 ملايين الذين لم يصوتوا، وفق الحساب المستند إلى الرقم الرسمي للمشاركة، ليسوا كتلة سياسية واحدة، ولا يمكن اختزال دوافعهم في تفسير واحد، لكنهم، في الوقت نفسه، يشكلون رسالة رقمية وسياسية ضخمة ينبغي ألا تمر مرور الكرام.
فالبرلمان الجديد يمكنه أن يحتفل بالمقاعد التي حصل عليها الفائزون، لكن السؤال الذي سيظل خارج قبة البرلمان هو: لماذا بقيت أغلبية المسجلين خارج الصندوق؟
وهذا السؤال، أكثر من عدد المقاعد، قد يكون أحد أهم الاختبارات التي ستواجه الأحزاب والبرلمان والحكومة الجديدة خلال الولاية المقبلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد