وادي زم بين رهانات التنمية وحسابات السياسة.. كيف أطاح رئيس الجماعة بمشروع بـ30 مليار سنتيم؟

هبة زووم – وادي زم
مرة أخرى، تجد مدينة وادي زم نفسها رهينة لحسابات سياسية ضيقة، في وقت كانت تنتظر فيه الساكنة انطلاقة حقيقية لمشاريع طال انتظارها. وبينما انخرطت مختلف المصالح الإقليمية في إعداد اتفاقيات تنموية وازنة، اختار رئيس المجلس الجماعي، في خطوة أثارت الكثير من الجدل، الوقوف في وجه مشروع استثماري تصل كلفته إلى 300 مليون درهم (30 مليار سنتيم)، مفضلاً منطق الاصطفاف السياسي على منطق خدمة المصلحة العامة.
فمنذ تعيين عامل إقليم خريبكة، هشام المدغري وباسا، عرفت وادي زم حركية ميدانية غير مسبوقة، تجسدت في سلسلة من الزيارات والاجتماعات مع مختلف الفاعلين، انتهت إلى تشخيص دقيق لانتظارات الساكنة، وفي مقدمتها تأهيل البنيات التحتية، وإصلاح الطريق الإقليمية رقم 311 المعروفة بطريق “دار الضوء”، وإنجاز مشاريع رقمية وشبابية من شأنها إعادة الاعتبار للمدينة.
ولم تبق هذه الوعود حبيسة الاجتماعات، بل تحولت في ظرف وجيز إلى اتفاقيات ملموسة، من أبرزها مشروع إحداث معهد رقمي للابتكار بقيمة 39 مليون درهم، واتفاقية ثانية بقيمة 300 مليون درهم مخصصة لإعادة تهيئة مداخل مدن خريبكة وأولاد عبدون ووادي زم، مع برمجة إصلاح شامل للطريق التي ظلت لسنوات عنواناً لمعاناة مستعمليها.
غير أن ما كان يفترض أن يشكل لحظة إجماع حول مصلحة المدينة، تحول داخل لجنة الميزانية والشؤون المالية والبرمجة إلى مشهد سياسي مثير للاستغراب، بعدما وصف رئيس الجماعة الاتفاقية بـ”التخربيقة”، في موقف اعتبره عدد من المتتبعين استخفافاً بمشروع استراتيجي شاركت في إعداده مؤسسات الدولة ومختلف القطاعات الوزارية.
ولم يكن هذا الوصف مجرد تعبير عابر، بل تُرجم عملياً إلى رفض التصويت على الاتفاقية، ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات، خاصة أن المشروع لا يخدم جهة سياسية بعينها، وإنما يستجيب لحاجيات تنموية ملحة ظلت الساكنة تطالب بها لسنوات.
ويطرح هذا السلوك أكثر من علامة استفهام حول فلسفة تدبير الشأن المحلي، إذ يفترض في المنتخب أن يكون شريكاً في جلب الاستثمارات والدفاع عن المشاريع التي تعود بالنفع على المواطنين، لا أن يتحول إلى عائق أمامها بسبب خلافات أو حسابات انتخابية ضيقة.
وفي المقابل، سجل ممثلو المعارضة موقفاً مغايراً، بعدما أعلنوا تصويتهم لصالح الاتفاقية، معتبرين أن التنمية لا ينبغي أن تكون رهينة للصراعات السياسية، وأن المشاريع الكبرى يجب أن تحظى بإجماع كل المكونات، لأنها تمثل مصلحة المدينة قبل أي اعتبار آخر.
ويرى متابعون أن تعطيل مشاريع بهذا الحجم يبعث برسائل سلبية إلى مختلف الشركاء المؤسساتيين، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة بعض المجالس المنتخبة على مواكبة الدينامية التنموية التي تسعى الدولة إلى ترسيخها، خاصة في ظل التوجيهات الملكية التي تجعل من الاستثمار الترابي وتسريع إنجاز المشاريع أولوية وطنية.
كما أن وصف مشروع بقيمة 30 مليار سنتيم بـ”التخربيقة” لا يعكس فقط خلافاً سياسياً، بل يكشف، وفق مراقبين، عن غياب رؤية استراتيجية لمستقبل المدينة، ويجسد منطقاً يضع الحسابات الانتخابية فوق مصالح المواطنين، في وقت تحتاج فيه وادي زم إلى تعبئة جماعية لاستدراك سنوات من التأخر التنموي.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يجوز أن تضيع فرصة استثمارية بهذا الحجم بسبب موقف سياسي عابر؟ وهل تتحمل ساكنة وادي زم كلفة الصراعات داخل المجلس الجماعي، بينما تنتظر طرقاً آمنة وبنيات تحتية تليق بمدينة تستحق أن تستفيد من الدينامية التنموية التي تعرفها المملكة؟
اليوم، تبدو وادي زم أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن تنتصر لغة المسؤولية والتعاون بين المؤسسات، أو تستمر المدينة في دفع ثمن حسابات سياسية لا تنتج سوى مزيد من الهدر التنموي، بينما يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد