هبة زووم – أحمد الفيلالي
ليس جدول أعمال دورة استثنائية مجلس جماعة بوسكورة، المقرر عقدها يوم 11 غشت 2026، مجرد لائحة تقنية من المقررات والاتفاقيات التي تنتظر المصادقة؛ بل هو وثيقة تكشف حجم الملفات التي تراكمت فوق طاولة جماعة تعيش واحدة من أسرع التحولات العمرانية والديموغرافية بإقليم النواصر.
طرق، إنارة، ماء صالح للشرب، تطهير سائل، أحواض لتجميع مياه الأمطار، نزع ملكية، قروض، منشآت رياضية، مساحات خضراء، مرافق عمومية، سوق عصري، طرق مؤدية إلى مطار محمد الخامس، وشركات للتنمية المحلية… كل شيء حاضر في جدول الأعمال، إلا السؤال الأكثر إزعاجاً: ماذا تحقق فعلاً من كل ما سبق؟
فالمشكلة في بوسكورة لم تعد في نقص الاتفاقيات والمشاريع المبرمجة، وإنما في مدى قدرة التدبير الجماعي على تحويل المقررات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في الشارع والحي والدوار.
اتفاقيات كثيرة.. وماذا عن الحصيلة؟
عندما يقرأ المواطن هذا الكم الهائل من الاتفاقيات والملحقات التعديلية والمقررات، قد يخيل إليه أن بوسكورة مقبلة على طفرة غير مسبوقة في الخدمات والبنيات التحتية.
لكن من حقه، بل من واجبه، أن يسأل: أين هي الحصيلة؟ وما نسبة إنجاز المشاريع السابقة؟ كم كلفت؟ ما آجال تنفيذها؟ وما هي أسباب تعثر بعضها إن كانت متعثرة؟ والأهم: لماذا يعود المجلس مرة أخرى إلى تعديل اتفاقيات سبق أن صادق عليها؟
فالمصادقة على ملحقات تعديلية متكررة، خصوصاً في ملفات التهيئة والصيانة، لا ينبغي أن تمر مرور الكرام، لأنها تفرض على المجلس تقديم توضيحات للرأي العام حول أسباب التعديل، والكلفة المالية المترتبة عنه، ومدى تأثيره على آجال وجودة المشاريع.
الطرق والإنارة.. مشروع مطار محمد الخامس ليس شماعة
من بين الملفات التي تستحق التدقيق، اتفاقيات تعزيز البنية الطرقية والإنارة العمومية على طرق الربط بين بوسكورة ومطار محمد الخامس.
لا أحد يجادل في أهمية هذه المشاريع، بل هي ضرورية بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لبوسكورة، لكن السؤال هو: هل يتم تجهيز الطرق لخدمة المواطنين أولاً، أم أن الأولوية أصبحت مرتبطة فقط بتسهيل الوصول إلى المطار والمشاريع الكبرى؟
فالساكنة تريد طرقاً داخل الأحياء، وإنارة في الأزقة، وتطهيراً يليق بمدينة تتوسع بوتيرة متسارعة، وليس فقط واجهات تستجيب لمتطلبات المحاور الكبرى.
الماء والتطهير.. هنا لا مجال للخطابات
أما إدراج ملفات الولوج إلى الماء الصالح للشرب والتطهير السائل، خصوصاً في بعض الدواوير، فيكشف أن مظاهر النمو العمراني لم تواكبها دائماً عدالة مجالية في توزيع الخدمات الأساسية، وهنا لا تكفي المصادقة على اتفاقية أو ملحق تمويل.
فالماء ليس مشروعاً تجريبياً، والتطهير ليس ترفاً، والخدمات الأساسية ليست امتيازاً يمنح حسب الموقع الجغرافي، وإذا كانت بوسكورة تستعد لمشاريع كبرى، فمن غير المقبول أن تظل بعض المناطق تنتظر أبسط شروط العيش الكريم.
القروض ونزع الملكية.. من سيدفع الثمن؟
ومن أكثر الملفات حساسية، دراسة فتح قرض مالي لاقتناء عقارات وإنجاز طرق ذات عرض 50 متراً، إلى جانب نزع ملكية قطع أرضية لإنجاز منشأة فنية.
وهنا ينبغي أن تكون الشفافية في أعلى مستوياتها، كم سيبلغ حجم القرض؟ ما كلفة فوائده؟ ما أثره على مديونية الجماعة؟ ومن هم أصحاب العقارات المعنية؟ وكيف سيتم تعويضهم؟
هذه ليست أسئلة هامشية، بل حقوق أساسية للرأي العام، لأن الأمر يتعلق بمال عمومي وبقرارات قد ترهن جزءاً من مالية الجماعة لسنوات.
ملف المساحات الخضراء.. لماذا الإلغاء ثم التعديل؟
ولعل الملف الذي يستحق وقفة خاصة هو المتعلق بصيانة المساحات الخضراء والحدائق العمومية، فجدول الأعمال يقترح إلغاء مقرر سابق يعود إلى يونيو 2025، ثم إلغاء مقرر آخر صدر في فبراير 2026، قبل العودة إلى ملحق تعديلي جديد لاتفاقية الصيانة.
لماذا كل هذا الدوران؟ هل يتعلق الأمر باختلال في الصياغة؟ أم بتغيير في طريقة التدبير؟ أم بتعثر في التنفيذ؟ أم بأن الاتفاقيات الأولى لم تكن محكمة بالشكل الكافي؟
الرأي العام اليوم يستحق جواباً واضحاً، لأن المال الذي ينفق على الحدائق والمساحات الخضراء ليس مالاً مجهول المصدر، وإنما هو من المال العام.
شركة التنمية المحلية.. شريك في التنمية أم طبقة جديدة من التدبير؟
ويطرح جدول الأعمال كذلك اتفاقية إطار لتحديد التعويضات لفائدة شركة التنمية المحلية مقابل تدبير واستغلال المرافق والخدمات العمومية الجماعية.
وهنا تبرز ضرورة طرح سؤال أكبر: هل تملك الجماعة آليات حقيقية لقياس جودة الخدمات التي تقدمها هذه الشركات؟
فإسناد المرافق إلى شركات التنمية المحلية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد نقل الاختصاصات من الإدارة الجماعية إلى هياكل أخرى دون شفافية في العقود، ولا مؤشرات واضحة لقياس الأداء، ولا رقابة حقيقية على الكلفة والنتائج.
والمواطن اليوم لا يهمه اسم الجهة التي تدبر الخدمة؛ ما يهمه هو هل يحصل عليها بجودة محترمة وبكلفة معقولة أم لا؟
السوق العصري.. الملك الجماعي ليس غنيمة
أما الترخيص بالاحتلال المؤقت للملك الجماعي بالسوق العصري الازدهار، فيستوجب بدوره أكبر قدر من الوضوح، خصوصاً في تحديد الثمن الافتتاحي للمزايدة العمومية، فالملك الجماعي ليس ملكاً خاصاً للمجلس ولا مجالاً للمحاباة أو توزيع الامتيازات.
والمطلوب أن تكون العملية مفتوحة وشفافة، وأن يعرف المواطن كيف حُدد الثمن الافتتاحي، ومن يستفيد، وكيف تضمن الجماعة تكافؤ الفرص.
بوسكورة لا تحتاج إلى مزيد من المقررات.. تحتاج إلى محاسبة الحصيلة
المفارقة أن بوسكورة توجد في قلب دينامية اقتصادية وعمرانية هائلة، وقريبة من مطار دولي، وتتوفر على مؤهلات تجعلها قادرة على التحول إلى قطب حضري متقدم، لكن كل هذا النمو يفرض حكامة أقوى، لا اتفاقيات أكثر.
فليس الإنجاز أن يصادق المجلس على عشرات الاتفاقيات، وإنما الإنجاز أن يعرف المواطن أين صرفت الأموال، ومتى انتهت الأشغال، ومن أنجزها، وهل احترمت الجودة والآجال، ومن يتحمل المسؤولية عندما تفشل المشاريع.
إن دورة 11 غشت ليست مجرد دورة استثنائية؛ إنها فرصة أمام رئيس المجلس وأعضاء الجماعة للخروج من منطق المصادقة الروتينية إلى منطق التدبير القابل للتقييم والمحاسبة.
بوسكورة لا ينقصها الورق.. ينقصها الأثر، ولا ينقصها الإعلان عن المشاريع، بل ينقصها أن يرى المواطن نتائجها أمام منزله، في الطريق، والإنارة، والماء، والتطهير، والحدائق والمرافق العمومية.
والسؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مقرر سيعرض على المجلس هو بسيط وحاسم: كم سيكلف؟ متى سينجز؟ من سينفذه؟ ومن سيحاسب إذا لم يتحقق؟ فبدون هذه الأجوبة، ستظل الاتفاقيات مجرد عناوين جميلة، بينما يبقى المواطن أسير الانتظار.
تعليقات الزوار