اليحياوي يفتح النار على الإعلام العمومي: سبتة غائبة عن الشاشة وإعلام العرايشي يكتفي بالرسمي الجاف

هبة زووم – الرباط
واصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، بنفسه النقدي الحاد، تفكيك تداعيات الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، منتقلًا هذه المرة إلى واجهة أخرى من واجهات الأزمة، ويتعلق الأمر بالإعلام العمومي، الذي يعتبر أنه فشل في مواكبة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال الفترة الأخيرة.
اليحياوي وجّه انتقاداً مباشراً إلى القناتين الأولى والثانية، معتبراً أن الإعلام العمومي لم يمنح ما وقع في سبتة المساحة التي يستحقها، رغم مرور نحو شهر على الأحداث، متسائلاً عن أسباب غياب التغطية الإعلامية الجادة، وعن عدم تخصيص حلقات نقاشية تستجلي ملابسات الواقعة وخلفياتها وتداعياتها.
وبحسب الباحث، فإن المشكلة لا تكمن فقط في غياب خبر عاجل أو تقرير إخباري عابر، وإنما في غياب نقاش عمومي حقيقي يضع الواقعة تحت المجهر، ويستضيف مختصين قادرين على تحليلها من زوايا سياسية واجتماعية وأمنية ودبلوماسية، بعيداً عن الخطاب الرسمي الجاهز.
غير أن اليحياوي يرى أن انتقاد الإعلام العمومي وحده لا يكفي، لأن خلف هذا الإعلام، وفق توصيفه، منظومة تدبيرية ظلت قائمة لسنوات طويلة، ويشير، في هذا السياق، إلى المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة فيصل العرايشي، الذي يقول إن الإعلام العمومي ظل تحت سلطته لأكثر من عقدين.
ويعتبر الباحث أن هذه المرحلة تمثل، بحسب رأيه، واحدة من أسوأ الفترات التي عاشها التلفزيون المغربي منذ دخوله إلى البلاد خلال ستينيات القرن الماضي، منتقداً ما يصفه بسيطرة الخطاب الرسمي الجاف على الشاشة، وغياب المساحات التي تسمح بنقاش حقيقي للقضايا الحساسة والمثيرة للجدل.
ويختصر اليحياوي وظيفة الإعلام العمومي، وفق قراءته، في تقديم “الرسمي الجاف… الجاف جداً”، معتبراً أن هذه الوظيفة أصبحت محددة المعالم، وأن المسؤول عن تنفيذها نجح، بحسب تعبيره، في الالتزام بها “بالحرف الواحد”.
لكن نقد الباحث لا يتوقف عند طبيعة الخط التحريري، بل يطال أيضاً ما يعتبره أزمة في النخب التي تستدعى إلى استوديوهات التلفزيون لتقديم التحليل والتفسير.
فاليحياوي يرى أن المغرب لا يتوفر، بالشكل الكافي، على خبراء يمتلكون المعرفة المتخصصة والجرأة الضرورية لتشريح الأحداث الكبرى، مستحضراً في المقابل النقاشات التي تشهدها استوديوهات القنوات التلفزيونية الدولية، حيث تتم مناقشة الملفات الحساسة من طرف باحثين ومتخصصين قادرين على تقديم قراءات متعددة ومتناقضة أحياناً.
وفي المقابل، يصف اليحياوي عدداً من الوجوه التي تظهر في الإعلام العمومي تحت صفات من قبيل “محلل” و”مدير مركز بحوث” و”أخصائي في العلاقات الدولية” بأنها، حسب تعبيره، “طواحين كلام فقط”، منتقداً ما يعتبره محدودية في التكوين والقدرة على البحث المستقل.
ويمضي الباحث في نقده إلى الربط بين الخلفية الأكاديمية لبعض هؤلاء وبين طبيعة الخطاب الذي يقدمونه، مشيراً بسخرية إلى ما يسميه مدرسة “القانون العام بالعربية”، معتبراً أن بعض المتدخلين لا يمتلكون، وفق رأيه، الأدوات اللغوية والعلمية الكافية للولوج إلى مصادر البحث والصحافة الدولية.
وبالنسبة إلى اليحياوي، فإن امتلاك لغات البحث ليس ترفاً أكاديمياً، بل شرط أساسي لفهم الملفات الدولية المعقدة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحدث له أبعاد أمنية ودبلوماسية وإنسانية مثل ما جرى في سبتة.
لكن أكثر ما يثيره الباحث في هذا السياق هو اتهامه بعض هؤلاء المتدخلين بالقدرة الكبيرة، حسب توصيفه، على “تسويق سردية المنظومة”، بدل مساءلتها أو تقديم قراءات نقدية مستقلة لما يجري.
ومن هنا، تتحول قضية سبتة في تدوينة اليحياوي إلى اختبار حقيقي للإعلام العمومي: هل دوره هو إعادة إنتاج الموقف الرسمي فقط، أم فتح المجال أمام المجتمع لمعرفة ما حدث ومناقشة أسبابه وتداعياته والاستماع إلى مختلف الآراء؟
فالإعلام العمومي، وفق المنطق الذي تطرحه التدوينة، لا يُقاس فقط بعدد نشرات الأخبار أو ساعات البث، وإنما بقدرته على التعامل مع الأحداث التي تهم المجتمع باعتبارها قضايا للنقاش والمساءلة، لا مجرد وقائع تمر سريعاً ثم تختفي من الشاشة.
وإذا كانت أحداث سبتة قد أثارت نقاشاً واسعاً خارج المغرب، فإن السؤال الذي يضعه اليحياوي أمام الإعلام العمومي يبدو مباشراً: لماذا لم يتحول هذا الحدث إلى ملف إعلامي مفتوح، يستضيف المسؤول والباحث والخبراء والشهود، ويضع أمام الرأي العام كل الروايات والمعطيات المتاحة؟
وفي النهاية، فإن جوهر النقد الذي يوجهه اليحياوي لا يتعلق فقط بواقعة سبتة، بل بوظيفة الإعلام العمومي نفسها: هل نحن أمام إعلام يشرح للمواطن ما يحدث، أم أمام شاشة تكتفي بإخباره بما ينبغي أن يعرفه؟
ذلك أن غياب النقاش لا يلغي الحدث، وغياب الأسئلة لا يمحو تداعياته، كما أن استدعاء وجوه تقدم نفسها باعتبارها خبيرة لا يعوض الحاجة إلى تحليل علمي مستقل وجريء.
وبينما تستمر الأسئلة حول ما جرى في سبتة وتداعياته، يبقى السؤال الإعلامي قائماً بدوره: متى يصبح للمواطن الحق في أن يرى على شاشته نقاشاً حقيقياً حول القضايا التي تمسه، بدل أن يظل أسير “الرسمي الجاف”؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد