الكنبوري: الأحزاب أفرغت النضال من قيمته وحولت السياسة إلى تجارة

هبة زووم – الرباط
شن الباحث في الشؤون الإسلامية، الدكتور إدريس الكنبوري، هجوماً لاذعاً على واقع الممارسة السياسية بالمغرب، معتبراً أن مفهوم “النضال” تعرض لعملية تشويه غير مسبوقة، بعدما تحول – بحسب تعبيره – من عنوان للتضحية والدفاع عن المبادئ إلى مجرد شعار ترفعه أحزاب السلطة في سياق يفتقد إلى المصداقية.
وفي تدوينة حملت لغة حادة وانتقادات غير مسبوقة، قال الكنبوري إنه يشعر بـ”الحزن على هذا البلد” كلما سمع مسؤولين ومنتخبين من حزبي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار يتحدثون عن “المناضلين والمناضلات”، معتبراً أن هذا الخطاب يعكس، في نظره، بلوغ “العهر السياسي” مستويات غير مسبوقة.
ويرى الكنبوري أن الكلمة التي ارتبطت تاريخياً بالتضحيات والاعتقال والجوع والملاحقة السياسية، أصبحت اليوم تُستعمل، بحسب وصفه، من طرف من يعيشون في القصور ويوقعون الشيكات ويجنون الامتيازات، في مفارقة اعتبرها تجسيداً لانقلاب كامل في القيم السياسية.
ولم يكتف الباحث بانتقاد الأحزاب، بل وسع دائرة النقد لتشمل المسار السياسي برمته، معتبراً أن من دفعوا ثمن النضال الحقيقي لم يجنوا ثماره، بينما استفاد منه، حسب تعبيره، من كانوا بعيدين عن أي تضحيات، وهو ما جعل مفهوم العدالة السياسية يفقد معناه، وأفرغ الذاكرة الوطنية من رمزيتها.
وتعيد هذه التصريحات إلى الواجهة النقاش المتواصل حول أزمة الثقة التي تعيشها الأحزاب السياسية، في ظل تنامي ظاهرة الترحال الحزبي، وهيمنة منطق المصالح والامتيازات على حساب التأطير السياسي والدفاع عن القضايا المجتمعية، وهو ما ساهم في اتساع الهوة بين المواطنين والفاعلين السياسيين.
كما تطرح تدوينة الكنبوري، رغم حدتها، سؤالاً عريضاً حول مصير العمل الحزبي بالمغرب، ومدى قدرة التنظيمات السياسية على استعادة المعاني الأصلية للنضال، في وقت أصبحت فيه مفاهيم الالتزام والتضحية تتراجع أمام حسابات انتخابية وبراغماتية ضيقة.
وبغض النظر عن اللغة القاسية التي استعملها الباحث، فإن مضمون تدوينته يعكس حجم الاحتقان الذي يطبع النقاش العمومي حول أداء الطبقة السياسية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، حيث تتجدد الانتقادات بشأن غياب النخب القادرة على استعادة ثقة المواطنين.
ويبقى المؤكد أن استمرار هذا التآكل في صورة الأحزاب، وتفريغ مفاهيم مثل “النضال” و”الالتزام” من مضامينها، لا يهدد فقط سمعة الفاعلين السياسيين، بل يضع التجربة الديمقراطية برمتها أمام اختبار صعب.
فاستعادة ثقة المواطنين لن تتحقق بالشعارات أو الخطابات، بل بإعادة الاعتبار لقيم النزاهة والكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا يتحول العمل السياسي إلى فضاء للمصالح الضيقة، يفقد فيه المواطن آخر ما تبقى من إيمان بجدوى المشاركة السياسية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد